151
vol. 1 · p. 318
والثاني: أن تكون الهاء في "إنه" ضمير "أنى ترضى" قبل الذكر، ويكون "هو" فصلا، ويكون أصل الكلام: "إن أن ترضى النفوس ثمادها هو الري" ثم أضمر على شريطة التفسير.
وأي الأمرين كان، فإنه لا بد فيه من "إن"، ولا سبيل إلى إسقاطها، لأنك إن أسقطتها أفضى ذلك بك إلى شيء شنيع، وهو أن تقول: "وأرضى بها من بحر آخر هو الرى أن ترضى النفوس ثمادها".
"إن" تربط الجملة بما قبلها:
هذا، وفي "إن" هذه شيء آخر يوجب الحاجة إليها، وهو أنها تتولى من ربط الجملة بما قبلها نحوا مما ذكرت لك في بيت بشار1. ألا ترى أنك لو أسقطت "إن" والضميرين معا، واقتصرت على ذكر ما يبقى من الكلام، لم تقله إلا "بالفاء" كقولك: "وأرضى بها من بحر آخر، فالري أن ترضى النفوس ثمادها".
فلو أن الفيلسوف قد كان تتبع هذه المواضع2، لما ظن الذي ظن. هذا، وإذا كان خلف الأحمر وهو القدوة، ومن يؤخذ عنه، ومن هو بحيث يقول الشعر فينحله الفحول الجاهليين فيخفى ذلك له، ويجوز أن يشتبه ما نحن فيه عليه حتى يقع له أن ينتقد على بشار3، فلا غرو أن تدخل الشبهة في ذلك على الكندي.
152
vol. 1 · p. 319
"إن"، تهيء النكرة لأن يكون لها حكم المبتدأ في الحديث عنها:
ومما تصنعه "إن" في الكلام، أنك تراها تهيئ النكرة وتصلحها لأن يكون لها حكم المبتدأ، أعنى أن تكون محدثا عنها بحديث من بعدها. ومثال ذلك قوله:
إن شواء ونشوة ... وخبب البازل الأمون1
قد ترى حسنها وصحة المعنى معها، ثم إنك إن جئت بها من غير "إن" فقلت: "شواء ونشوة وخبب البازل الأمون" لم يكن كلاما.
فإن كانت النكرة موصوفة، وكانت لذلك تصلح أن يبتدأ بها، فإن تراها مع "إن" أحسن، وترى المعنى حينئذ أولى بالصحة وأمكن، أفلا ترى إلى قوله:
إن دهرا يلف شملي بسعدى ... لزمان يهم بالإحسان
ليس بخفي وإن كان يستقيم أن تقول: "دهر يلف شملي بسعدى دهر صالح"2 أن ليس الحالان على سواء، وكذلك ليس بخفي أنك لو غمدت إلى قوله:
إن أمرا فادحا ... عن جوابي شغلك3