146
vol. 1 · p. 312
وليس لشعب هذا الأصل وفروعه وأمثلته وصوره وطرقه ومسالكه حد ونهاية. ومن لطيف ذلك ونادره قول أبي تمام:
أبين فما يزرن سوى كريم ... وحسبك أن يزرن أبا سعيد1
ومثله، وإن لم يبلغ مبلغه، قول الآخر:
متى تخلو تميم من كريم ... ومسلمة بن عمرو من تميم2
وكذلك قول بعض العرب:
إذا لله لم يسق إلا الكرام ... فسقى وجوه بني حنبل
وسقى ديارهم باكرا ... من الغيث في الزمن الممحل3
147
vol. 1 · p. 313
وفن منه غريب، قول بعضهم في البرامكة:
سألت الندى والجود مالي أراكما ... تبدلتما ذلا بعز مؤيد
وما بال ركن المجد أمسى مهدما ... فقالا: أصبنا بابن يحيى محمد
فقلت فهلا متما عند موته ... فقد كنتما عبديه في كل مشهد
فقالا: أقمنا كي نعزى بفقده ... سافة يوم، ثم تتلوه في غد1
148
vol. 1 · p. 314
فصل:
خبر الكندي الفيلسوف مع ثعلب وزعمه أن في كلام العرب حشوا:
واعلم أن مما أغمض الطريق إلى معرفة ما نحن بصدده، أن ههنا فروقا خفية تجهلها العامة وكثير من الخاصة، ليس أنهم يجهلونها في موضع ويعرفونها في آخر، بل لا يدرون أنها هي، ولا يعلمونها في جملة ولا تفصيل.
روي عن ابن الأنباري أنه قال: ركب الكندي المتفلسف إلى أبي العباس وقال له: إني لأجد في كلام العرب حشوا! فقال له أبو العباس: في أي وضع وجدت ذلك؟ فقال: أجد العرب يقولون: "عبد الله قائم"، ثم يقولون "إن عبد الله قائم"، ثم يقولون: "إن عبد الله لقائم"، فالألفاظ متكررة والمعنى واحد. فقال أبو العباس: بل المعني مختلفة لاختلاف الألفاظ، فقولهم: "عبد الله قائم"، إخبار عن قيامه وقولهم: "إن عبد عبد الله قائم"، جواب عن سؤال سائل وقوله: "إن عبد الله لقائم"، جواب عن إنكار منكر قيامه، فقد تكررت الألفاظ لتكرر المعاني. قال فما أحار المتفلسف جوابا1.
وإذا كان الكندي يذهب هذا عليه حتى يركب فيه ركوب مستفهم أو معترض، فما ظنك بالعامة، ومن هو في عداد العامة، ممن لا يخطر شبه هذا بباله؟
دخول "إن" في الكلام، وخصائصها:
واعلم أن ههنا دقائق لو أن الكندي استقرى وتصفح وتتبع مواقع "إن"، ثم ألطف النظر وأكثر التدبر، لعلم علم ضرورة أن ليس سواء دخولها وأن لا تدخل.