143
vol. 1 · p. 305
فصل:
فصل دقيق في "الكناية"، وإثبات الصفة عن طريقها، وأمثلة ذلك:
هذا فن من القول دقيق المسلك، لطيف المأخذ، وهو أنا نراهم كما يصنعون في نفس الصفة بأن يذهبوا بها مذهب الكناية والتعريض، كذلك يذهبون في إثبات الصفة هذا المذهب. وإذا فعلوا ذلك، بدت هناك محاسن تملأ الطرف. ودقائق تعجز الوصف، ورأيت هنالك شعرا شاعرا، وسحرا ساحرا، وبلاغة لا يكمل لها إلا الشاعر المفلق، والخطيب المصقع. وكما أن الصفة إذا لم تأتك مصرحا بذكرها، مكشوفا عن وجهها، ولكن مدلولا عليها بغيرها، كان ذلك أفخم لشأنها، وألطف لمكانها، وكذلك إثباتك الصفة للشيء ثبتها له، إذا لم تلقه إلى السامع صريحا، وجئت إليه من جانب التعريض والكناية والرمز والإشارة، كان له من الفضل والمزية، ومن الحسن والرونق، ما لا يقل قليله، ولا يجهل موضع الفضيلة فيه.
وتفسير هذه الجملة وشرحها: أنهم يرومون وصف الرجل ومدحه، وإثبات معنى من المعاني الشريفة له، فيدعون التصريح بذلك، ويكنون عن جعلها فيه بجعلها في شيء يشتمل عليه ويتلبس به، ويتوصلون في الجملة إلى ما أرادوا من الإثبات، لا من الجهة الظاهرة المعروفة، بل من طريق يخفى، ومسلك يدق؟ ومثاله قول زياد الأعجم:
إن السماحة والمروءة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج1
vol. 1 · p. 306
أراد، كما لا يخفى، أن يثبت هذه المعاني والأوصاف خلالا للمدوح وضرائب فيه1، فترك أن يصرح فيقول: "إن السماحة والمروءة والندى لمجموعة في ابن الحشرج، أو مقصورة عليه، أو مختصة به"، وما شاكل ذلك مما هو صريح في إثبات الأوصاف للمذكورين بها، وعدل إلى ما ترى من الكناية والتلويح، فجعل كونها في القبة المضروبة عليه، عبارة عن كونها فيه، وإشارة إليه، فخرج كلامه بذلك إلى ما خرج إليه من الجزالة، وظهر فيه ما أنت ترى من الفخامة، ولو أنه أسقط هذه الواسطة من البين، لما كان إلا كلاما غفلا، وحديثا ساذجا.
فهذه الصنعة في طريق الإثبات، هي نظير الصنعة في المعاني، إذا جاءت كنايات عن معان آخر، نحو قوله:
وما يك في من عيب فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل2
فكما أنه إنما كان من فاخر الشعر، ومما يقع في الاختيار3، لأجل أنه أراد أن يذكر نفسه بالقرى والضيافة، فكنى عن ذلك بجبن الكلب وهزال الفصيل، وترك أن يصرح فيقول: "قد عرف أن جنابي مألوف، وكلبي