مواضع التقديم والتأخير: قاعدة عامة
vol. 1 · p. 293
أنت ترى مجازا في هذا كله، ولكن لا في ذوات الكلم وأنفس الألفاظ، ولكن في أحكام أجريت عليها. أفلا ترى أنك لم تتجوز في قولك: "نهارك صائم وليلك قائم" في نفس "صائم، و "قائم"، ولكن في أن أجريتهما خبرين على النهار والليل. وكذلك ليس المجاز في الآية في لفظة "ربحت" نفسها، ولكن في إسنادها إلى التجارة. وهكذا الحكم في قوله: "سقتها خروق" ليس التجوز في نفس "سقتها"، ولكن في أن أسندها إلى الخروق. أفلا ترى أنك لا ترى شيئا منها إلا وقد أريد به معناه الذي وضع له على وجهه وحقيقته، فلم يرد بصائم غير الصوم، ولا بقائم غير القيام، ولا بربحت غير الريح، ولا بسقت غير السقى، كما أريد "بسالت" في قوله:
وسالت بأعناق المطي الأباطح1
غير السيل.
واعلم أن الذي ذكرت لك في المجاز هناك2، من أن من شأنه أن يفخم عليه المعنى وتحدث فيه النباهة، قائم لك مثله ههنا، فليس يشتبه على عاقل أن ليس حال المعنى وموقعه في قوله:
فنام ليلي وتجلى همي3
كحاله وموقعه إذا أنت تركت المجاز وقلت: "فنمت في ليلي وتجلى
137
vol. 1 · p. 294
همي"، كما لم يكن الحال في قولك: "رأيت أسدا"، كالحال في "رأيت رجلا كالأسد". ومن الذي يخفى عليه مكان العلو وموضع المزية وصورة الفرقان بين قوله تعالى {فما ربحت تجارتهم}، وبين أن يقال: "فما ربحوا في تجارتهم؟ ".
وإن أردت أن تزداد للأمر تبينا، فانظر إلى بيت الفرزدق:
يحمي إذا اخترط السيوف نساءنا ... ضرب تطير له السواعد أرعل1
وإلى رونقه ومائه، وإلى ما عليه من الطلاوة. ثم ارجع إلى الذي هو الحقيقة وقل: "نحمي إذا اخترط السيوف نساءنا بضرب تطير له السواعد أرعل"، ثم اسبر حالك؟ هل ترى مما كنت تراه شيئا؟
وهذا الضرب من المجاز على حدته كنز من كنوز البلاغة، ومادة الشاعر المفلق والكاتب البليغ في الإبداع والإحسان، والاتساع في طرق البيان، وأن يجيء بالكلام مطبوعا مصنوعا، وأن يضعه بعيد المرام، قريبا من الأفهام. ولا يغرنك من أمره أنك ترى الرجل يقول: "أتى بي الشوق إلى لقائك، وسار بي الحنين إلى رؤيتك، وأقدمني بلدك حق لي على إنسان"، وأشباه ذلك مما تجده لسعته وشهرته يجري مجرى الحقيقة التي لا يشكل أمرها، فليس هو كذلك أبدا، بل يدق ويلطف حتى يمتنع مثله إلا على الشاعر المفلق، والكاتب البليغ، وحتى يأتيك بالبدعة لم تعرفها، والنادرة تأنق لها.