136
vol. 1 · p. 292
فصل: هذا فن من المجاز لم نذكره فيما تقدم
بين في المجاز الحكمي، وأمثلته وهو كنز من كنوز البلاغة:
إعلم أن طريق المجاز والاتساع في الذي ذكرناه قبل1، أنك ذكرت الكلمة وأنت لا تريد معناها، ولكن تريد معنى ما هو ردف له أو شبيه، فتجوزت بذلك في ذات الكلمة وفي اللفظ نفسه. وإذا قد عرفت ذلك فاعلم أن في الكلام مجازا على غير هذا السبيل، وهو أن يكون التجوز في حكم يجري على الكلمة فقط، وتكون الكلمة متروكة على ظاهرها، ويكون معناها مقصودا في نفسه ومرادا من غير تورية ولا تعريض.
والمثال فيه قولهم "نهارك صائم وليلك قائم" و "نام ليلي وتجلى همي"، 2 وقوله تعالى: {فما ربحت تجارتهم} [البقرة: 16]، وقول الفرزدق:
سقتها خروق في المسامع، لم تكن ... علاطا، ولا مخبوطة في الملاغم3
مواضع التقديم والتأخير: قاعدة عامة
vol. 1 · p. 293
أنت ترى مجازا في هذا كله، ولكن لا في ذوات الكلم وأنفس الألفاظ، ولكن في أحكام أجريت عليها. أفلا ترى أنك لم تتجوز في قولك: "نهارك صائم وليلك قائم" في نفس "صائم، و "قائم"، ولكن في أن أجريتهما خبرين على النهار والليل. وكذلك ليس المجاز في الآية في لفظة "ربحت" نفسها، ولكن في إسنادها إلى التجارة. وهكذا الحكم في قوله: "سقتها خروق" ليس التجوز في نفس "سقتها"، ولكن في أن أسندها إلى الخروق. أفلا ترى أنك لا ترى شيئا منها إلا وقد أريد به معناه الذي وضع له على وجهه وحقيقته، فلم يرد بصائم غير الصوم، ولا بقائم غير القيام، ولا بربحت غير الريح، ولا بسقت غير السقى، كما أريد "بسالت" في قوله:
وسالت بأعناق المطي الأباطح1
غير السيل.
واعلم أن الذي ذكرت لك في المجاز هناك2، من أن من شأنه أن يفخم عليه المعنى وتحدث فيه النباهة، قائم لك مثله ههنا، فليس يشتبه على عاقل أن ليس حال المعنى وموقعه في قوله:
فنام ليلي وتجلى همي3
كحاله وموقعه إذا أنت تركت المجاز وقلت: "فنمت في ليلي وتجلى