Skip to content

Books to be read, not browsed

131 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 279 of 670.

131

vol. 1 · p. 280

واعلم أنه يلزم من شك في هذا فتوهم أنه يجوز أن تقول: "لم أر القوم كلهم"، على معنى أنك لم تر واحدا منهم1 أن يجري النهي هذا المجرى فتقول: "لا تضرب القوم كلهم"، على معنى لا تضرب واحدا منهم وأن تقول: "لا تضرب الرجلين كليهما"، على معنى لا تضرب واحد منهما. فإذا قال ذلك لزمه أن يحيل قول الناس2: لا تضربهما معا، ولكن اضرب أحدهما"، و "لا تأخذهما جميعا، لكن واحدا منهما"، وكفى بذلك فسادا.

وإذ قد بان لك من حال النصب أنه يقتضي أن يكون المعنى على أنه قد صنع من الذنب بعضا وترك بعضا3، فاعلم أن الرفع على خلاف ذلك، وأنه يقتضي نفي أن يكون قد صنع منه شيئا، وأتى منه قليلا أو كثيرا وأنك إذا قلت: "كلهم لا يأتيك"، و "كل ذلك لا يكون"، و "كل هذا لا يحسن"، كنت نفيت أن يأتيه واحد منهم، وأبيت أن يكون أو يحسن شيء مما أشرت إليه.

ومما يشهد لك بذلك من الشعر قوله:

فكيف؟ وكل ليس يعدو حمامه ... ولا لامرئ عما قضى الله مزحل4

vol. 1 · p. 281

المعنى على نفي أن يعدو أحد من الناس حمامه، بلا شبهة. ولو قلت: "فكيف وليس يعدو كل حمامه": فأخرت "كلا"، لأفسدت المعنى، وصرت كأنك تقول: "إن من الناس من يسمل من الحمام ويبقى خالد ا لا يموت".

ومثله قول دعبل:

فوالله ما أدري بأي سهامها ... رمتني وكل عندنا ليس بالمكدي

أبا الجيد أم مجرى الوشاح، وإنني ... لأنهم عينيها مع الفاحم الجعد1

المعنى على نفي أن يكون في سهامها مكد على وجه من الوجوه.

ومن البين في ذلك ما جاء في حديث ذي اليدين حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم: "أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "كل ذلك لم يكن". فقال ذو اليدين: بعض ذلك قد كان"2، المعنى لا محالة على نفي

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE