83
vol. 1 · p. 195
تفسير هذا: أنا وإن قلنا إن "اللام" في قولك: "أنت الشجاع" للجنس، كما هو له في قولهم: "السجاع موقي، والجبان ملقي"1، فإن الفرق ينهما عظيم. وذلك أن المعنى في قولك: "الشجاع موقى"، أنك تثبت الوقاية لكل ذات من صفتها الشجاعة، فهو في معنى قولك: الشجعان كلهم موقون. ولست أقول إن الشجاع كالشجعان على الإطلاق، وإن كان ذلك ظن كثير من الناس، ولكني أريد أنك تجعل الوقاية تستغرق الجنس وتشتمله وتشيع فيه. وأما في قولك: "أنت الشجاع"، فلا معنى فيه للاستغراق، إذ لست تريد أن تقول: "أنت الشجعان كلهم" حتى كأنك تذهب به مذهب قولهم: "أنت الخلق كلهم" و "أنت العالم"، كما قال:
وليس الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد2
ولكن لحديث "الجنسية" ههنا مأخذ آخر غير ذلك، وهو أنك تعمد بها إلى المصدر المشتق منه الصفة وتوجهها إليه، لا إلى نفس الصفة. ثم لك في توجيهها إليه مسلك دقيق. وذلك أنه ليس القصد أن تأتي إلى شجاعات كثيرة فتجمعها له وتوجدها فيه، ولا أن تقول: إن الشجاعات التي يتوهم وجودها في الموصوفين بالشجاعة هي موجودة فيه لا فيهم هذا كله محال، بل المعنى على أنك تقول: كنا عقلنا الشجاعة وعرفنا حقيقتها، وما هي؟ وكيف ينبغي أن يكون الإنسان في إقدامه وبطشه حتى يعلم أنه شجاع على
vol. 1 · p. 196
الكمال: واستقرينا الناس فلم نجد في واحد منهم حقيقة ما عرفناه، حتى إذا صرنا إلى المخاطب، وجدناه قد استكمل هذه الصفة، واستجمع شرائطها، وأخلص جوهرها، ورسخ فيه سنخها1. ويبين لك أن الأمر كذلك اتفاق الجميع على تفسيرهم له بمعنى الكامل، ولو كان المعنى على أنه استغرق الشجاعات التي يتوهم كونها في الوصوفين بالشجاعة، لما قالوا إنه بمعنى الكامل في الشجاعة، لأن الكمال هو أن تكون الصفة على ما ينبغي أن تكون عليه، وأن لا يخالطها ما يقدح فيها، وليس الكمال أن تجتمع آحاد الجنس وينضم بعضها إلى بعض. فالغرض إذان بقولنا: "أنت الشجاع"، هو الغرض بقولهم: "هذه هي الشجاعة على الحقيقة، وما عداها جبن" و "هكذا يكون العلم، وما عداه تخيل"2، و "هذا هو الشعر" وما سواه فليس بشيء". وذلك أظهر من أن يخفى.
وضرب آخر من الاستدلال في إبطال أن يكون "أنت الشجاع" بمعنى أنك كأنك جميع الشجعان، على حد "أنت الخلق كلهم"3، وهو أنك في قولك: "أنت الخلق" و "أنت الناس كلهم" و "قد جميع العالم منك في واحد"، تدعي له جميع المعاني الشريفة المتفرقة في الناس، من غير أن تبطل تلك المعاني وتنفيها عن الناس، بل على أن تدعي له أمثالها. ألا ترى أنك إذا قلت في الرجل: "إنه معدود بألف رجل"، فلست