في النظم يتحد في الوضع، ويدق فيه الصنع:
vol. 1 · p. 194
كانت وعرفت من إنسان، وأردت أن تعرف ممن كانت بل تريد أن تقصر جنس الشجاعة عليه، ولا تجعل لأحد غيره فيه حظا، كذلك لا تقصد بقولك: "أنت الوفي حين لا يفي أحد" إلى وفاء واحد. كيف؟ وأنت تقول: "حين لا يفي أحد".
وهكذا محال أن تقصد في قوله: "هو الواهب المئة المصطفاة"، إلى هبة واحدة، لأنه يقتضي أن يقصد إلى مئة من الإبل قد وهبها مرة، ثم لم يعد لمثلها. ومعلوم أن خلاف الغرض، لأن المعنى أنه الذي من شأنه أن يهب المئة أبدا، والذي يبلغ عطاره هذا المبلغ، كما تقول: "هو الذي يعطي مادحة الألف والألفين"، وكقوله:
وحاتم الطائي وهاب المئي1
وذلك أوضح من أن يخفى.
الألف واللام الدالة على الجنسية لها مذهب في الخبر، غيره في المبتدأ ووجوه هذا المعنى:
وأصل آخر: وهو أن من حقنا أن نعلم أن مذهب الجنسية في الاسم وهو خبر، غير مذهبها وهو مبتدأ.
83
vol. 1 · p. 195
تفسير هذا: أنا وإن قلنا إن "اللام" في قولك: "أنت الشجاع" للجنس، كما هو له في قولهم: "السجاع موقي، والجبان ملقي"1، فإن الفرق ينهما عظيم. وذلك أن المعنى في قولك: "الشجاع موقى"، أنك تثبت الوقاية لكل ذات من صفتها الشجاعة، فهو في معنى قولك: الشجعان كلهم موقون. ولست أقول إن الشجاع كالشجعان على الإطلاق، وإن كان ذلك ظن كثير من الناس، ولكني أريد أنك تجعل الوقاية تستغرق الجنس وتشتمله وتشيع فيه. وأما في قولك: "أنت الشجاع"، فلا معنى فيه للاستغراق، إذ لست تريد أن تقول: "أنت الشجعان كلهم" حتى كأنك تذهب به مذهب قولهم: "أنت الخلق كلهم" و "أنت العالم"، كما قال:
وليس الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد2
ولكن لحديث "الجنسية" ههنا مأخذ آخر غير ذلك، وهو أنك تعمد بها إلى المصدر المشتق منه الصفة وتوجهها إليه، لا إلى نفس الصفة. ثم لك في توجيهها إليه مسلك دقيق. وذلك أنه ليس القصد أن تأتي إلى شجاعات كثيرة فتجمعها له وتوجدها فيه، ولا أن تقول: إن الشجاعات التي يتوهم وجودها في الموصوفين بالشجاعة هي موجودة فيه لا فيهم هذا كله محال، بل المعنى على أنك تقول: كنا عقلنا الشجاعة وعرفنا حقيقتها، وما هي؟ وكيف ينبغي أن يكون الإنسان في إقدامه وبطشه حتى يعلم أنه شجاع على