64
vol. 1 · p. 155
وتوهم أنك لم تذكر ذلك الفعل، إلا لأن تثبت نفس معناه، من غير أن تعديه إلى شيء، أو تعرض فيه لمفعول.
ومثاله قول البحتري:
شجو حساده وغيظ عداه ... أن يرى مبصر ويسمع واع1
المعنى، لا محالة: أن يرى مبصر محاسنه، ويسمع واع أخباره وأوصافه، ولكنك تعلم على ذلك أنه كأنه يسرق علم ذلك من نفسه، ويدفع صورته عن وهمه، ليحصل له معنى شريف وغرض خاص. وذاك أنه يمدح خليفة2، وهو المعتز، ويعرض بخليفة وهو المستعين، فأراد أن يقول: إن محاسن المعتز وفضائله، المحاسن والفضائل يكفي فيها أن يقع عليها بصر ويعيها سمع حتى يعلم أنه المستحق للخلافة، والفرد الوحيد الذي ليس لأحد أن ينازعه مرتبتها، فأنت ترى حساده وليس شيء أشجى لهم وأغيظ، من علمهم بأن ههنا مبصرا يرى وسامعا يعي، حتى ليتمنون أن لا يكون في الدنيا من له عين يبصر بها، وأذن يعي معها، كي يخفى مكان استحقاقه لشرف الإمامة، فيجدوا بذلك سبيلا إلى منازعته إياها.
مثال ثان من الخفي:
159 وهذا نوع آخر منه، وهو أن يكون معك مفعول معلوم مقصود قصده، قد علم أنه ليس للفعل الذي ذكرت مفعول سواه، بدليل الحال أو ما سبق من الكلام، إلا أنك تطرحه وتتناساه وتدعه يلزم ضمير النفس، لغرض غير الذي مضى. وذلك الغرض أن تتوفر العناية على إثبات الفعل للفاعل، وتخلص له، وتنصرف بجملتها وكما هي إليه.
65
vol. 1 · p. 156
ومثاله قول عمرو بن معدي كرب:
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت1
"أجرت" فعل متعد، ومعلوم أنه لو عداه لما عداه إلا إلى ضمير المتكلم نحو: "ولكن الرماح أجرتني" وأنه لا يتصور أن يكون ههنا شيء آخر يتعدى إليه، لاستحالة أن يقول:
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم
ثم يقول: "ولكن الرماح أجرت غيري"، إلا أنك تجد المعنى يلزمك أن لا تنطق بهذا المفعول ولا تخرجه إلى لفظك. والسبب في ذلك أن تعديتك له توهم ما هو خلاف الغرض، وذلك أن الغرض هو أن يثبت أنه كان من الرماح إجرار وحبس الألسن عن النطق2، وأن يصحح وجود ذلك. ولو قال: "أجرتني"، جاز أن يتوهم أنه لم يعن بأن يثبت للرماح إجرارا، بل الذي عناه أن يبين أنها أجرته3. فقد يذكر الفعل كثيرا والغرض منه ذكر المفعول، مثاله أنك تقول: "أضربت زيدا؟ " وأنت لا تنكر أن يكون كان من المخاطب أو يستطيعه. فلما كان في تعدية "أجرت" ما يوهم ذلك، وقف فلم يعد البتة، ولم ينطق بالمفعول، لخلص العناية لإثبات الإجرار للرماح وتصحيح أنه كان منها، وتسلم بكليتها لذلك.