36
vol. 1 · p. 104
وقيدت نفسي في ذراك محبة ... ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا1
الاستعارة في أصلها مبتذلة معروفة، فإنك ترى العامي يقول للرجل يكثر إحسانه إليه وبره له، حتى يألفه ويختار المقام عنده: "قد قيدني بكثرة إحسانه إلي، وجميل فعله معي، حتى صارت نفسي لا تطاوعني على الخروج من عنده"، وإنما كان ما ترى من الحسن، بالمسلك الذي سلك في النظم والتأليف.
37
vol. 1 · p. 105
فصل 1: "القول في التقديم والتأخير"
هو باب كثير الفوائد، جم المحاسن، واسع التصرف، بعيد الغاية، لا يزال يفتر لك عن بديعة، ويفضي بك إلى لطيفة، ولا تزال ترى شعرا يروقك مسمعه، ويلطف لديك موقعه، ثم تنظر فتجد سبب أن راقك ولطف عندك، أن قدم فيه شيء، وحول اللفظ عن مكان إلى مكان.
واعلم أن تقديم الشيء على وجهين2:
تقديم يقال إنه على نية التأخير، وذلك في كل شيء أقررته مع التقديم على حكمه الذي كان عليه، وفي جنسه الذي كان فيه، كخبر المبتدأ إذا قدمته على المبتدأ، والمفعول إذا قدمته على الفاعل كقولك: "منطلق زيد" و "ضرب عمرا زيد"، معلوم أن "منطلق" و "عمرا" لم يخرجا بالتقديم عما كانا عليه، من كون هذا خبر مبتدأ ومرفوعا بذلك، وكون ذلك مفعولا ومنصوبا من أجله كما يكون إذا أخرت.
وتقديم لا على نية التأخير، ولكن على أن تنقل الشيء عن حكم إلى حكم، وتجعل له بابا غير بابه3، وإعرابا غير إعرابه، وذلك أن تجيء إلى اسمين
vol. 1 · p. 106
يحتمل كل واحد منهما أن يكون مبتدأ ويكون الآخر خبرا له، فتقدم تارة هذا على ذاك، وأخرى ذاك على هذا. ومثاله ما تصنعه بزيد والمنطلق، حيث تقول مرة: "زيد المنطلق"، وأخرى، "المنطلق زيد"، فأنت في هذا لم تقدم "المنطلق" على أن يكون متروكا على حكمه الذي كان عليه مع التأخير، فيكون خبر مبتدأ كما كان، بل على أن تنقله عن كونه خبرا إلى كونه مبتدأ، وكذلك لم تؤخر "زيدا" على أن يكون مبتدأ كما كان، بل على أن تخرجه عن كونه مبتدأ إلى كونه خبرا.
وأظهر من هذا قولنا: "ضربت زيدا" و "زيد ضربته"، لم تقدم "زيدا" على أن يكون مفعولا منصوبا بالفعل كما كان، ولكن على أن ترفعه بالابتداء، وتشغل الفعل بضميره، وتجعله في موضع الخبر له. وإذا قد عرفت هذا التقسيم، فإني أتبعه بجملة من الشرح.
التقديم للعناية والاهتمام:
واعلم أنا لم نجدهم اعتمدوا فيه شيئا يجري مجرى الأصل، غير العناية والاهتمام. قال صاحب الكتاب، وهو يذكر الفاعل والمفعول1: "كأنهم يقدمون الذي بيانه أهم لهم، وهم ببيانه أعنى، وإن كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم" ولم يذكر في ذلك مثالا.
وقال النحويون: إن معنى ذلك أنه قد يكون من أغراض الناس في فعل ما أن يقع بإنسان بعينه، ولا يبالون من أوقعه، كمثل ما يعلم من حالهم في حال الخارجي يخرج فيعيث ويفسد، ويكثر به الأذى، أنهم يريدون قتله،