Skip to content

Books to be read, not browsed

35 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 100 of 670.

35

vol. 1 · p. 101

ونظير هذا في التنزيل قوله عز وجل: {وفجرنا الأرض عيونا} [القمر: 12]، "التفجير" للعيون في المعنى، وأوقع على الأرض في اللفظ، كما أسند هناك الاشتعال إلى الرأس، وقد حصل بذلك من معنى الشمول ههنا، مثل الذي حصل هناك. وذلك أنه قد أفاد أن الأرض قد كانت صارت عيونا كلها، وأن الماء قد كان يفور من كل مكان منها. ولو أجري اللفظ على ظاهره فقيل: "وفجرنا عيون الأرض، أو العيون في الأرض"، لم يفد ذلك ولم يدل عليه، ولكان المفهوم منه أن الماء قد كان فار من عيون متفرقة في الأرض، وتبجس من أماكن منها.

واعلم أن في الآية الأولى شيئا آخر من جنس "النظم"، وهو تعريف الرأس" بالألف واللام، وإفادة معنى الإضافة من غير إضافة، وهو أحد ما أوجب المزية. ولو قيل: "واشتعل رأسي"، فصرح بالإضافة، لذهب بعض الحسن، فاعرفه.

مثال آخر لذلك في الاستعارة:

وأنا أكتب لك شيئا مما سبيل "الاستعارة" فيه هذا السبيل، ليستحكم هذا الباب في نفسك، ولتأنس به.

فمن عجيب ذلك قول بعض الأعراب:

الليل داج كنفا جلبابه ... والبين محجور على غرابه1

ليس كل ما ترى من الملاحة لأن جعل لليل جلبابا، وحجر على الغراب، ولكن في أن وضع الكلام الذي ترى، فجعل "الليل" مبتدأ، وجعل "داج" خبرا له وفعلا لما بعده وهو "الكنفان"، وأضاف "الجلباب" إلى

vol. 1 · p. 102

ضمير "الليل"، ولأن جعل كذلك "البين" مبتدأ، وأجرى محجورا خبرا عنه1، وأن أخرج اللفظ على "مفعول". يبين ذلك أنك لو قلت:

"وغراب البين محجور عليه، أو: قد حجر على غراب البين"، لم تجد لههذه الملاحة. وكذلك لو قلت: "قد دجا كنفا جلباب الليل"، لم يكن شيئا.

ومن النادر فيه قول المتنبي:

غصب الدهر والملوك عليها ... فبناها في وجنة الدهر خالا2

قد ترى في أول الأمر أن حسنه أجمع في أن جعل للدهر "وجنة"، وجعل البنية "خالا" في الوجنة3، وليس الأمر على ذلك، فإن موضع الأعجوبة في أن أخرج الكلام مخرجه الذي ترى، وأن أتى "بالخال" منصوبا على الحال من قوله "فبناها". أفلا ترى أنك لو قلت: "وهي خال في وجنة الدهر"، لوجدت الصورة غير ما ترى؟ وشبيه بذلك أن ابن المعتز قال:

يا مسكة العطار ... وخال وجه النهار4

وكانت الملاحة في الإضافة بعد الإضافة، لا في استعارة لفظة "الخال" إذ معلوم أنه لو قال: "يا خالا في وجه النهار" أو "يا من هو خال في وجه النهار"، لم يكن شيئا.

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE