34
vol. 1 · p. 100
أسند إلى ما أسند إليه. يبين أن الشرف كان لأن سلك فيه هذا المسلك، وتوخي به هذا المذهب أن تدع هذا الطريق فيه1، وتأخذ اللفظ فتسنده إلى الشيب صريحا فتقول: "اشتعل شيب الرأس"، أو "الشيب في الرأس"، ثم تنظر هل تجد ذلك الحسن وتلك الفخامة؟ وهل ترى الروعة التي كنت تراها؟
فإن قلت: فما السبب في أن كان "اشتعل" إذا استعير للشيب على هذا الوجه، كان له الفضل؟ ولم بان بالمزية من الوجه الآخر هذه البينونة؟
فإن السبب أنه يفيد، مع لمعان الشيب في الرأس الذي هو أصل المعنى، الشمول2، وأنه قد شاع فيه، وأخذه من نواحيه، وأنه قد استغرقه وعم جملته3، حتى لم يبق من السواد شيء، أو لم يبق منه إلا ما لا يعتد به. وهذا ما لا يكون إذا قيل: "اشتعل شيب الرأس، أو الشيب في الرأس"، بل لا يوجب اللفظ حينئذ أكثر من ظهوره فيه على الجملة. ووزان هذا أنك تقول: "اشتعل البيت نارا"، فيكون المعنى: أن النار قد وقعت فيه وقوع الشمول، وأنها قد استولت عليه وأخذت في طرفيه ووسطه. وتقول: "اشتعلت النار في البيت"، فلا يفيد ذلك، بل لا يقتضى أكثر من وقوعها فيه، وإصابتها جانبا منه. فأما الشمول. وأن تكون قد استولت على البيت وابتزته، فلا يعقل من اللفظ البتة.
35
vol. 1 · p. 101
ونظير هذا في التنزيل قوله عز وجل: {وفجرنا الأرض عيونا} [القمر: 12]، "التفجير" للعيون في المعنى، وأوقع على الأرض في اللفظ، كما أسند هناك الاشتعال إلى الرأس، وقد حصل بذلك من معنى الشمول ههنا، مثل الذي حصل هناك. وذلك أنه قد أفاد أن الأرض قد كانت صارت عيونا كلها، وأن الماء قد كان يفور من كل مكان منها. ولو أجري اللفظ على ظاهره فقيل: "وفجرنا عيون الأرض، أو العيون في الأرض"، لم يفد ذلك ولم يدل عليه، ولكان المفهوم منه أن الماء قد كان فار من عيون متفرقة في الأرض، وتبجس من أماكن منها.
واعلم أن في الآية الأولى شيئا آخر من جنس "النظم"، وهو تعريف الرأس" بالألف واللام، وإفادة معنى الإضافة من غير إضافة، وهو أحد ما أوجب المزية. ولو قيل: "واشتعل رأسي"، فصرح بالإضافة، لذهب بعض الحسن، فاعرفه.
مثال آخر لذلك في الاستعارة:
وأنا أكتب لك شيئا مما سبيل "الاستعارة" فيه هذا السبيل، ليستحكم هذا الباب في نفسك، ولتأنس به.
فمن عجيب ذلك قول بعض الأعراب:
الليل داج كنفا جلبابه ... والبين محجور على غرابه1
ليس كل ما ترى من الملاحة لأن جعل لليل جلبابا، وحجر على الغراب، ولكن في أن وضع الكلام الذي ترى، فجعل "الليل" مبتدأ، وجعل "داج" خبرا له وفعلا لما بعده وهو "الكنفان"، وأضاف "الجلباب" إلى