Skip to content

Books to be read, not browsed

تمهيد للكلام في الفصاحة والبلاغة — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 83 of 670.

تمهيد للكلام في الفصاحة والبلاغة

vol. 1 · p. 84

وتشاهدوا له بالفضل، ثم جعلوه كذلك من أجل "النظم" خصوصا، دون غيره مما يستحسن له الشعر أو غير الشعر، من معنى لطيف أو حكمة أو ادب أو استعارة أو تجنيس أو غير ذلك مما لا يدخل في النظم، وتأمله1، فإذا رأيتك قد ارتحت واهتززت واستحسنت، فانظر إلى حركات الأريحية مم كانت؟ وعند ماذا ظهرت؟ فإنك ترى عيانا أن الذي قلت لك كما قلت. اعمد إلى قول البحتري:

بلونا ضرائب من قد نرى ... فما إن رأينا لفتح ضريبا

هو المرء أبدت له الحادثات ... عزما وشيكا ورأيا صليبا

تنقل في خلقي سؤدد ... سماحا مرجى وبأسا مهيبا

فكالسيف إن جئته صارخا ... وكالبحر إن جئته مستثيبا2

فإذا رأيتها قد راقتك وكثرت عندك، ووجدت لها اهتزازا في نفسك، فعد فانظر في السبب واستقص في النظر، فإنك تعلم ضرورة أن ليس إلا أنه قدم وأخر، وعرف ونكر، وحذف وأضمر، وأعاد وكرر، وتوخى على الجملة وجها من الوجوه التي يقتضيها "علم النحو"، فأصاب في ذلك كله، ثم لطف موضع صوابه، وأتى مأتى يوجب الفضيلة.

أفلا ترى أن أول شيء يروقك منها قوله: "هو المرء أبدت لها الحادثات" ثم قوله: "تنقل في خلقي سؤدد" بتنكير "السؤدد" وإضافة "الخلقين".

26

vol. 1 · p. 85

إليه ثم قوله: "فكالسيف" وعطفه بالفاء مع حذفه المبتدأ، لأن المعنى لا محالة: فهو كالسيف ثم تكريره "الكاف" في قوله: "وكالبحر" ثم أن قرن إلى كل واحد من التشبيهين شرطا جوابه فيه ثم أن أخرج من كل واحد من الشرطين حالا على مثال ما أخرج من الآخر، وذلك قوله "صارخا" هناك "ومستثيبا" ههنا؟ لا ترى حسنا تنسبه إلى النظم ليس سببه ما عددت، أو ما هو في حكم ما عددت، فاعرف ذلك.

وإن أردت أظهر أمرا في هذا المعنى، فانظره إلى قول إبراهيم بن العباس:

فلو إذ نبا دهر، وأنكر صاحب، ... وسلط أعداء، وغاب نصير

تكون عن الأهواز داري بنجوة، ... ولكن مقادير جرت وأمور

وإني لأرجو بعد هذا محمدا ... لأفضل ما يرجى أخ ووزير1

فإنك ترى ما ترى من الرونق والطلاوة، ومن الحسن والحلاوة، ثم "إذ نبا" على عامله الذي هو "تكون"، وأن لم يقل: فلو تكون عن الأهواز داري بنجوة إذ نبا دهر ثم أن قال: "تكون"، ولم يقل "كان" ثم أن أنكر الدهر ولم يقل: "إذ نبا الدهر" = ثم أن ساق هذا التنكير في جميع ما أتى به من بعد ثم أن قال وأنكر صاحب ولم يقل وأنكرت صاحبا لا ترى في البيتين الأولين شيئا غير الذي عددته لك تجعله حسنا في "النظم"، وكله من معاني النحو كما ترى. وهكذا السبيل أبدا في كل حسن ومزية رأيتهما قد نسبا إلى "النظم"، وفضل وشرف أحيل فيهما عليه.

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE