Skip to content

Books to be read, not browsed

20 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 68 of 670.

20

vol. 1 · p. 69

فصل في الكناية والاستعارة والتمثيل:

قد أجمع الجميع على أن "الكناية" أبلغ من الإفصاح، والتعريض أوقع من التصريح، وأن للاستعارة مزية وفضلا، وأن المجاز أبدا أبلغ من الحقيقة، إلا أن ذلك، وإن كان معلوم ا على الجملة، فإنه لا تطمئن نفس العاقل في كل ما يطلب العلم به حتى يبلغ فيه غايته، وحتى يغلغل الفكر إلى زواياه، وحتى لا يبقى عليه موضع شبهة ومكان مسئلة. فنحن وإن كنا نعلم أنك إذا قلت: "هو طويل النجاد، وهو جم الرماد"، كان أبهى لمعناك، وأنبل من أن تدع الكناية وتصرح بالذي تريد. وكذا إذا قلت: "رأيت أسدا"، كان لكلامك مزية لا تكون إذا قلت: رأيت رجلا هو والأسد سواء، في معنى الشجاعة وفي قوة القلب وشدة البطش وأشباه ذلك. وإذا قلت: "بلغني أنك تقدم رجلا وتؤخر أخرى"، كان أوقع من صريحه الذي هو قولك: بلغني أنك تتردد في أمرك، وأنك في ذلك كمن يقول: أخرج ولا أخرج، فتقدم رجلا وتؤخر أخرى1 ونقطع على ذلك حتى لا يخالجنا شك فيه2 فإنما تسكن أنفسنا تمام السكون، إذا عرفنا السبب في ذلك والعلة، ولم كان كذلك، وهيأنا له عبارة تفهم عنا من نريد إفهامه. وهذا هو قول في ذلك3:

21

vol. 1 · p. 70

إعلم أن سبيلك أولا أن تعلم أن ليست المزية التي تثبتها لهذه الأجناس على الكلام المتروك على ظاهره، والمبالغة التي تدعى لها1 في أنفس المعاني التي يقصد المتكلم إليها بخبره، ولكنها في طريق إثباته لها وتقريره إياها.

تفسير هذا: أن ليس المعنى إذا قلنا: "إن الكناية أبلغ من التصريح"، أنك لما كنيت عن المعنى زدت في ذاته، بل المعنى أنك زدت في إثباته، فجعلته أبلغ وآكد وأشد. فليست المزية في قولهم: "جم الرماد"، أنه دل على قرى أكثر، بل المعنى إنك أثبت له القرى الكثير من وجه هو أبلغ، وأوجبته إيجابا هو أشد، وادعيته دعوى أنت بها أنطق، وبصحتها أوثق.

وكذلك ليست المزية التي تراها لقولك: "رأيت أسدا" على قولك: رأيت رجلا لا يتميز عن الأسد في شجاعته وجرأته أنك قد أفدت بالأول زيادة في مساواته الأسد، بل أن أفدت تأكيدا وتشديدا وقوة في إثباتك له هذه المساواة، وفي تقريرك لها2. فليس تأثير الاستعارة إذن في ذات المعنى وحقيقته، بل في إيجابه والحكم به.

وهكذا قياس "التمثيل"، ترى المزية أبدا في ذلك تقع في طريق إثبات المعنى دون المعنى نفسه. فإذا سمعتهم يقولون: إن من شأن هذه الأجناس أن تكسب المعاني نبلا وفضل ا، وتوجب لها شرفا، وأن تفخمها في نفوس السامعين، وترفع أقدارها عند المخاطبين، فإنهم لا يريدون الشجاعة والقرى وأشباه ذلك من معاني الكلم المفردة، وإنما يعنون إثبات معاني هذه الكلم لمن ثبت له ويخبر بها عنه.

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE