15
vol. 1 · p. 55
للمعنى في النظم، وأن الكلم تترتب في النطق بسبب ترتب معانيها في النفس، وأنها لو خلت من معانيها حتى تتجرد أصواتا وأصداء حروف، لما وقع في ضمير ولا هجس في خاطر، أن يجب فيها ترتيب ونظم، وأن يجعل لها أمكنة ومنازل، وأن يجب النطق بهذه قبل النطق بتلك. والله الموفق للصواب.
vol. 1 · p. 56
فصل- الرد على من يقول: الفصاحة للفظ وتلاؤم الحروف:
وهذه شبهة أخرى ضعيفة، عسى أن يتعلق بها متعلق ممن يقدم على القول من غير روية: وهي أن يدعي أن لا معنى للفصاحة سوى التلاؤم اللفظي، وتعديل مزاج الحروف حتى لا يتلاقى في النطق حروف تثقل على اللسان، كالذي أنشده الجاحظ من قول الشاعر:
وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر1
وقول ابن يسير2:
لا أذيل الآمال بعدك إني ... بعدها بالآمال جد بخيل
كم لها موقفا بباب صديق ... رجعت من نداه بالتعطيل
لم يضرها والحمد لله شيء ... وانثنت نحو عزف نفس ذهول3
قال الجاحظ: فتفقد النصف الأخير من هذا البيت فإنك ستجد بعض ألفاظه يتبرأ من بعض"4 ويزعم أن الكلام في ذلك على الطبقات فمنه المتناهي في الثقل المفرط فيه، كالذي مضى، ومنه ما هو أخف منه كقول أبي تمام:
vol. 1 · p. 57
كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... جميعا ومهما لمته لمته وحدي1
أي لا أمدحه بشيء إلا صدقني الناس فيه2.
ومنه ما يكون فيه بعض الكلفة على اللسان، إلا أنه لا يبلغ أن يعاب به صاحبه ويشهر أمره في ذلك ويفحظ عليه3 ويزعم أن الكلام إذا سلم من ذلك وصفا من شوبه4، كان الفصيح المشاد به والمشار إليه5، وأن الصفاء أيضا يكون على مراتب يعلو بعضها بعضا، وأن له غاية إذا انتهى إليها كان الإعجاز.
والذي يبطل هذه المشبهة، إن ذهب إليها ذاهب، أنا إن قصرنا صفة "الفصاحة" على كون اللفظ كذلك6، وجعلناه المراد بها، لزمنا أن نخرج "الفصاحة" على كون اللفظ كذلك، وجعلناه المراد بها، لزمنا أن نخرج "الفصاحة" من حيز "البلاغة"، ومن أن تكون نظيرة لها. وإذا فعلنا ذلك، لم نحل من أجد أمرين: إما أن نجعله العمدة في المفاضلة بين العبارتين ولا نعرج على غيره، وإما أن نجعله أحد ما نفاضل به، ووجها من الوجوه التي تقتضي تقديم كلام على كلام7.