Skip to content

Books to be read, not browsed

286 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 539 of 670.

286

vol. 1 · p. 541

"خرج" معنى من دون أن تنوي فيه ضمير "زيد"؟ 1 وهل تكون إن أنت زعمت أنك لم تنو ذلك إلا مخرجا نفسك إلى الهذيان؟ 2 وكذلك فانظر إذا قيل لك: "كيف زيد"؟، فقلت: "صالح": هل يكون لقولك: "صالح" أثر في نفسك من دون أن تريد "هو صالح"3؟ أم هل يعقل السامع شيئا إن هو لم يعتقد ذلك؟ 4.

إذا ثبت ذلك5، فإنه مالا يبقى معه لعاقل شك6، أن الخبر معنى لا يتصور إلا بين شيئين يكون أحدهما مثبتا، والآخر مثبتا له، أو يكون أحدهما منفييا، والآخر منفيا عنه وأنه لا يتصور مثبت من غير مثبت له، ومنفي من دون منفي عنه. فلما كان الأمر كذلك، أوجب ذلك أن لا يعقل إلا من مجموع جملة فعل واسم7، كقولنا: "خرج زيد"، أو اسم واسم، كقولنا: "زيد منطلق". فليس في الدنيا خبر يعرف من غير هذا السبيل، وبغير هذا الدليل، وهو شيء يعرفه العقلاء في كل جبل وأمة، وحكم يجري عليه الأمر في كل لسان ولغة8.

287

vol. 1 · p. 542

وإذا قد عرفت أنه لا يتصور الخبر إلا فيما بين شيئين: مخبر به ومخبر عنه، فينبغي أن تعلم أنه يحتاج من بعد هذين إلى ثالث، وذلك أنه كما لا يتصور أن يكون ههنا خبر حتى يكون مخبر به ومخبر عنه، كذلك لا يتصور حتى يكون له مخبر يصدر عنه ويحصل من جهته، وتعود التبعة فيه عليه، فيكون هو الموصوف بالصدق إن كان صدقا، وبالكذب إن كان كذبا. أفلا ترى أن من المعلوم ضرورة أنه لا يكون إثبات ونفي، حتى يكون مثبت وناف يكون مصدرهما من جهته، ويكون هو المزجي لهما، والمبرم والناقض فيهما، ويكون بهما موافقا ومخالفا، ومصيبا ومخطئا، ومسيئا ومحسنا1.

"الخبر" وجميع معاني الكلام، معان ينشئها الإنسان في نفسه:

وجملة الأمر أن الخبر وجميع معماني الكلام معان ينشئها الإنسان في نفسه، ويصرفها في فكره2، ويناجي بها قلبه، ويارجع فيها عقله، وتوصف بأنها مقاصد وأغراض. وأعظمها شأنا الخبر، فهو الذي يتصور بالصور الكثيرة، وتقع فيه الصناعات العجيبة، وفيه تكون المزايا التي بها يقع التفاضل في الفصاحة على ما شرحنا3.

ثم إنا نظرنا في المعنى التي يصفها العقلاء بأنها معان مستنبطة، ولطائف مستخرجة، ويجعلون لها اختصاصا بقائل دون قائل، كمثل قولهم في معاني أبيات من الشعر4: "إنه معنى لم يسبق إليه فلان، وأنه الذي فطن له.

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE