283
vol. 1 · p. 535
وإذ قد عرفت ما قررناه من أن من شأن الجملة أن يصير معناها بالبناء عليها شيئا غير الذي كان، وأنه يتغير في ذاته، فاعلم أن ما كان من الشعر مثل بيت بشار:
كأن مثار النقع فوق روسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه1
وقول امرئ القيس:
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي2
وقول زياد:
وإنا وما تلقي لنا إن هجوتنا ... لكالبحر مهما يلق في البحر يغرق3
كان له مزية على قول الفرزدق فيما ذكرنا، لأنك تجد في صدر بيت الفرزدق جملة تؤدي معنى، وإن لم يكن معنى يصح أن يقال إنه معنى فلان، ولا تجد في صدر هذه الأبيات ما يصح أن بعد جملة تؤدي معنى، فضلا عن أن تؤدي معنى يقال إنه معنى فلان. ذاك لأن قوله: "كأن مثار النقع" إلى: "وأسيافنا"، جزء واحد و "ليل تهاوى كواكبه" بجملته الجزء الذي ما لم تأت به لم تكن قد أتيت بكلام.
وهكذا سبيل البيتين الآخرين. فقوله: "كأن قلوب الطير رطبا ويابسا لدى وكرها" جزء وقوله: "العناب والحشف البالي" الجزء الثاني وقوله: "وإنا وما تلقي لنا إن هجوتنا" جزء، وقوله: "لكالبحر، الجزء الثاني، وقوله: "مهما تلق في البحر يغرق"، وإن كان جملة مستأنفة ليس لها في الظاهر تعلق بقوله: "لكالبحر"، فإنها لما كانت مبينة لحال هذه التشبيه، صارت كأنها متعلقة بهذا التشبيه، وجرى مجرى أن تقول: "كالبحر في أنه لا يلقى فيه شيء إلا غرق".
vol. 1 · p. 536
فصل:
"الإثبات" معنى تكون به المزية في الكلام:
وإذا ثبت أن الجملة إذا بني عليها حصل منها ومن الذي بني عليها في الكثير، معنى يجب فيه أن ينسب إلى واحد مخصوص، فإن ذلك يقتضي لا محالة أن يكون "الخبر" في نفسه معنى هو غير المخبر به والمخبر عنه. ذاك لعلمنا باستحالة أن يكون للمعنى المخبر به نسبة إلى المخبر، وأن يكون المستنبط والمستخرج والمستعان على تصويره بالفكر.
فليس يشك عاقل أنه محال أن يكون للحمل في قوله: "وما حملت أم امرئ في ضلوعها"، نسبة إلى الفرزدق، وأن يكون الفكر منه كان فيه نفسه، وأن يكون معناه الذي قيل إنه استنبطه واستخرجه وغاص عليه. وهكذا السبيل أبدا، لا يتصور أن يكون للمعنى المخبر به نسبة إلى الشعر، وأن يبلغ من أمره أن يصير خاصا به، فاعرفه.
ومن الدليل القاطع فيه، ما بيناه في "الكناية"، و "الاستعارة" و "التمثيل" وشرحناه، من أن من شأن هذه الأجناس أن توجب الحسن والمزية، وأن المعاني تتصور من أجلها بالصور المختلفة، وأن العلم بإيجابها ذلك ثابت في العقول، ومركوز في غرائز النفوس1. وبينا كذلك أنه محال أن تكون المزايا التي تحدث بها، حادثة في المعنى المخبر به، المثبت أو المنفي، لعلمنا باستحالة أن تكون المزية التي تجدها لقولنا: "هو طويل النجاد" على قولنا "طويل القامة" في الطول، والتي تجدها لقولنا: "هو كثير رماد القدر" على قولنا: "هو كثير القرى