13
vol. 1 · p. 51
قيل: إن هذا هو الذي يعيد هذه الشبهة جذعة أبدا1، والذي يحلها2: أن تنظر: أتتصور أن تكون معتبرا مفكرا في حال اللفظ مع اللفظ حتى تضعه بجنبه أو قبله، وأن تقول: "هذه اللفظية إنما صلت ههنا لكونها على صفة كذا" أم لا يعقل إلا أن تقول: "صلحت ههنا، لأن معناها كذا، ولدلالتها على كذا، ولن معنى الكلام والغرض فيه يوجب كذا، ولأن معنى ما قبلها يقتضي معناها؟ ".
فإن تصورت الأول، فقل ما شئت، واعلم أن كل ما ذكرناه باطل وإن لم تتصور إلا الثاني، فلا تخدعن نفسك بالأضاليل، ودع النظر إلى ظواهر الأمور3، ليس هو الذي طلبته بالفكر، ولكنه شيء يقع بسبب الأول ضرورة، من حيث إن الألفاظ إذا كانت أوعية للمعاني، فإنها لا محالة تتبع المعاني في مواقعها، فإذا وجب لمعنى أن يكون أولا في النفس، وجب للفظ لادال عليه أن يكون مثله أولا في النطق، فأما أن تتصور في الألفاظ أن تكون المقصودة قبل المعاني بالنظم والترتيب، وأن يكون الفكر في النظم الذي يتواصفه البغاء فكرا نظم الألفاظ، أو أن تحتاج بعد ترتيب المعاني إلى فكر تستأنفه لأن تجيء بالألفاظ على نسقها، فباطل من الظن، ووهم يتخيل إلى من
vol. 1 · p. 52
لا يوفي النظر حقه. وكيف تكون مفكرا في نظم الألفاظ، وأنت لا تعقل لها أوصافا وأحوالا إذا عرفتها عرفت أن حقها أن تنظم على وجه كذا؟
رد شبهة في شأن "النظم":
ومما يلبس على الناظر في هذا الموضع ويغلطه، أنه يستبعد أن يقال: "هذا كلام قد نظمت معانيه"، فالعرف كأنه لم يجر بذلك، إلا أنهم وإن كانوا لم يستعملوا "النظم" في المعاني، قد استعملوا فيها ما هو بمعناه ونظير له، وذلك قولهم: "إنه يرتب المعاني في نفسه، وينزلها، ويبني بعضها على بعض"، كما يقولون: "يرتب الفروع على الأصول، ويتبع المعنى المعنى، ويلحق النظير بالنظير".
وإذا كنت تعلم أنهم قد استعاروا النسج والوشي والنقش والصياغة لنفس ما استعاروا له "النظم"، وكان لا يشك في أن ذلك كله تشبيه وتمثيل يرجع إلى أمور وأوصاف تتعلق بالمعاني دون الألفاظ، فمن حقك أن تعلم أن سبيل "النظم" ذلك السبيل.
واعلم أن من سبيلك أن تعتمد هذا الفصل حدا، وتجعل النكت التي ذكرتها فيه على ذكر منك أبدا، فإنها عمد وأصول في هذا الباب1، إذا أنت مكنتها في نفسك، وجدت الشبه تنزاح عنك، والشكوك تنتفي عن قلبك، ولا سيما ما ذكرت من أنه لا يتصور أن تعرف للفظ موضعا