13
vol. 1 · p. 50
ودليل آخر، وهو أنه لو كان القصد بالنظم إلى اللفظ نفسه، دون أن يكون الغرض ترتيب المعاني في النفس1، ثم النطق بالألفاظ على حذوها، لكان ينبغي أن لا يختلف حال اثنين في العلم بحسن النظم أو غير الحسن فيه، لأنهما يحسبان بتوالي الألفاظ في النطق إحساسا واحدا، ولا يعرف أحدهما في ذلك شيئا يجهله الآخر.
بيان معنى "النظم":
وأوضح من هذا كله، وهو أن هذا "النظم" الذي يتواصفه البلغاء، وتتفاضل مراتب البلاغة من أجله، صنعة يستعان عليها بالفكرة لا محالة. وإذا كانت مما يستعان عليها بالفكرة2، ويستخرج بالروية، فينبغي أن ينظر في الفكر، بماذا تلبس؟ أبا المعاني أم بالألفاظ؟ فأي شيء وجدته الذي تلبس به فكرك من بين المعاني والألفاظ، فهو الذي تحدث فيه صنعتك3، وتقع فيه صياغتك ونظمك وتصويرك. فمحال أن تتفكر في شيء وأنت لا تصنع فيه شيئا، وإنما تصنع في غيره. لو جاز ذلك، لجاز أن يفكر البناء في الغزل، ليجعل فكره فيه وصلة إلى أن يصنع من الآجر، وهو من الإحالة المفرطة.
فإن قيل: "النظم" موجود في الألفاظ على كل حال، ولا سبيل إلى أن يعقل الترتيب الذي تزعمه في المعاني، ما لم تنظم الألفاظ ولم ترتبها على الوجه الخاص.
vol. 1 · p. 51
قيل: إن هذا هو الذي يعيد هذه الشبهة جذعة أبدا1، والذي يحلها2: أن تنظر: أتتصور أن تكون معتبرا مفكرا في حال اللفظ مع اللفظ حتى تضعه بجنبه أو قبله، وأن تقول: "هذه اللفظية إنما صلت ههنا لكونها على صفة كذا" أم لا يعقل إلا أن تقول: "صلحت ههنا، لأن معناها كذا، ولدلالتها على كذا، ولن معنى الكلام والغرض فيه يوجب كذا، ولأن معنى ما قبلها يقتضي معناها؟ ".
فإن تصورت الأول، فقل ما شئت، واعلم أن كل ما ذكرناه باطل وإن لم تتصور إلا الثاني، فلا تخدعن نفسك بالأضاليل، ودع النظر إلى ظواهر الأمور3، ليس هو الذي طلبته بالفكر، ولكنه شيء يقع بسبب الأول ضرورة، من حيث إن الألفاظ إذا كانت أوعية للمعاني، فإنها لا محالة تتبع المعاني في مواقعها، فإذا وجب لمعنى أن يكون أولا في النفس، وجب للفظ لادال عليه أن يكون مثله أولا في النطق، فأما أن تتصور في الألفاظ أن تكون المقصودة قبل المعاني بالنظم والترتيب، وأن يكون الفكر في النظم الذي يتواصفه البغاء فكرا نظم الألفاظ، أو أن تحتاج بعد ترتيب المعاني إلى فكر تستأنفه لأن تجيء بالألفاظ على نسقها، فباطل من الظن، ووهم يتخيل إلى من