Skip to content

Books to be read, not browsed

249 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 477 of 670.

249

vol. 1 · p. 478

كتبها عبد القاهر الجرجاني

vol. 1 · p. 479

بسم الله الرحمن الرحيم

بيان مهم في مسألة "اللفظ" و"المعنى":

إعلم أنه لما كان الغلط الذي دخل على الناس في حديث "اللفظ" كالداء الذي يسري في العروق، ويفسد مزاج البدن، وجب أن يتوخى دائبا فيهم ما يتوخاه الطبيب في الناقه، من تعهده بما يزيد في منته1، ويبقيه على صحته، ويؤمنه النكس في علته2.

وقد علمنا أن أصل الفساد وسبب الآفة، هو ذهابهم عن أن من شأن المعاني أن تختلف عليها الصور، وتحدث فيها خواص وموايا من بعد أن لا تكون. وإنك ترى الشاعر قد عمد إلى معنى مبتذل، فصنع فيه ما يصنع الصانع الحاذق إذا هو أغرب ي صنعة خاتم وعمل شنف وغيرهما من أصناف الحلى. فإن جهلهم بذلك من حالها، هو الذي أغواهم واستهواهم، وورطهم يما تورطوا فيه من الجهالات، وأداهم إلى التعلق بالمحالات. وذلك أنهم لما جهلوا شأن الصورة، وضعوا لأنفسهم أساسا، وبنوا على قاعدة فقالوا: إنه ليس إلا المعنى واللفظ، ولا ثالث وإنه إذا كان كذلك، وجب إذا كان لأحد الكلامين فضيلة لا تكون للآخر، ثم كان الغرض من أحدهما هو الغرض من صاحبه3 أن يكون مرجع

vol. 1 · p. 481

تلك الفضيلة إلى اللفظ خاصة، وأن لا يكون لها مرجع إلى المعنى، من حيث إن ذلك، زعموا، يؤدي إلى التناقض، وأن يكون معناهما متغايرا وغير متغاير معا.

ولما أقروا هذا في نفوسهم، حملوا كلام العلماء في كل ما نسبوا فيه الفضيلة إلى "اللفظ" على ظاهره، وأبوا أن ينظروا في الأوصاف التي أتبعوها نسبتهم الفضيلة إلى "اللفظ"، مثل قولهم: "لفظ متمكن غير قلق ولا ناب به موضعه"، إلى سائر ما ذكرناه قبل1، فيعلموا أنهم لم يوجبوا للفظ ما أوجبوه من الفضيلة، وهم يعنون نطق اللسان وأجراس الحروف، ولكن جعلوا كالمواضعة فيما بينهم أن يقولوا "اللفظ"، وهم يريدون الصورة التي تحدث في المعنى، والخاصة التي حدثت فيه، ويعنون الذي عناه الجاحظ حيث قال.

"وذهب الشيخ إلى استحسان المعاني، والمعاني مطروحة وسط الطريق، يعرفها العربي ولاعجمي، والحضري والبدوي، وإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير"2.

وما يعنونه إذا قالوا: "إنه يأخذ الحديث فيشنفه ويقرطه، ويأخذ المعنىخرزة فيرده جوهرة، وعباءة فيجعله ديباجة، ويأخذه عاطلا فيرده حاليصا". وليس كون هذا مرادهم، بحيث كان بنيغي أن يخفى هذا الخفاء ويشتبه هذا الاشتباء، ولكن إذا تعاطى الشيء غير أهله، وتولى الأمر غير البصير به، أعضل الداء، واشتد البلاء. ولو لم يكن من الدليل على أنهم لم ينحلوا "اللفظ" الفضيلة وهم يريدونه نفسه وعلى الحقيقة إلا واحد، وهو وصفهم له بأنه يزين المعنى، وأنه حلى

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE