Skip to content

Books to be read, not browsed

243 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 462 of 670.

243

vol. 1 · p. 463

ثم إن ههنا معنى شريفا قد كان ينبغي أن تكون قد ذكرناه في أثناء ما مضى من كلامنا، وهو أن العاقل إذا نظر علم علم ضرورة أنه لا سبيل له إلى أن يكثر معاني الألفاظ أو يقللها، لأن المعاني المودعة في الألفاظ لا تتغير على الجملة عما أراده واضع اللغة، وإذا ثبت ذلك، ظهر منه أنه لا معنى لقولنا: "كثرة المعنى مع قلة اللفظ"، غير أن المتكلم يتوصل بدلالة المعنى على المعنى إلى فوائد، لو أنه أراد الدلالة عليها باللفظ لاحتاج إلى لفظ كثير.

الرأي الفاسد وخطره إذا قاله عالم له صيت ومنزلة:

واعلم أن القول الفاسد والرأي المدخول، إذا كان صدره عن قوم لهم نباهة وصيت وعلو منزلة في أنواع من العلوم غير العلم الذي قالوا ذلك القول فيه1، ثم وقع في الألسن فتداولته ونشرته، وفشا وظهر، وكثر الناقلون له والمشيدون بذكره2 صار ترك النظر فيه سنة، والتقليد دينا، ورأيت الذين هم أهل ذلك العلم وخاصته والممارسون له، والذين هم خلقاء أن يعرفوا وجه الغلط والخطأ فيه لو أنهم نظروا فيه3 كالأجانب الذين ليسوا من أهله، في قبول والعمل به والركون إليه، ووجدتهم قد أععطوه مقادتهم، وألا نوا له جانبهم، وأوهمهم النظر إلى منتماه ومنتسبه، ثم اشتهاره وانتشاره وإطباق الجمع بعد الجمع عليه4 أن الضن به أصوب، والمحامة عليه أولى. ولربما بل كلما ظنوا أنه لم يشع ولم يتسع، ولم يروه خلف عن

vol. 1 · p. 464

سلف، وأخر عن أول، إلا لأن له أصلا صحيحا، وأنه أخذ من معدن صدق، واشتق من نبعة كريمة، وأنه لو كان مدخولا لظهر الدخل الذي فيه على تقادم الزمان وكرور الأيام. وكم من خطإ ظاهر ورأي فاسد حظي بهذا السبب عند الناس، حتى بوأوه في أخص موضع من قلوبهم، ومنحوه المحبة الصادقة من نفوسهم، وعطفوا عليه عطف الأم على واحدها. وكم من داء دوي قد استحكم بهذه العلة، حتى أعيا علاجه، وحتى بعل به الطبيب1.

ولولا سلطان هذا الذي وصفت على الناس، وأن له أخذه تمنع القلوب على التدبر2، وتقطع عنها ذواعي التفكر لما كان لهذا الذي ذهب إليه القوم في أمر "اللفظ" هذا التمكن وهذه القوة، ولا كان يرسخ في النفوس هذا الرسوخ، وتنشعب عروقه هذا الشعب3، مع الذي بان من تهافته وسقوطه4 وفحش الغلط يه، وأنك لا ترى في أديمه من أين نظرت، وكيف صرفت وقلبت مصحا5، ولا تراه باطلا فيه شوب من الحق، وزيفا فيه

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE