233
vol. 1 · p. 448
فقلت1: "رأيت رجلا مساويا للأسد في الشجاعة، وبحيث لولا صورته لظننت أنك رأيت أسدا"، وما شاكل ذلك من ضروب المبالغة أن تجد لكلامك المزية التي تجدها لقولك: "رأيت أسدا". وليس يخفى على عاقل أن ذلك لا يكون.
فإن قال قائل: إن المزية من أجل أن المساواة تعلم في "رأيت أسدا" من طريق المعنى، وفي "رأيت رجلا مساويا للأسد" من طريق اللفظ.
قيل: قد قلنا فيما تقدم2، إنه محال أن يتغير حال المعنى في نفسه، بأن يكنى عنه بمعنى آخر، وأنه لا يتصور أن يتغير معنى طول القامة بأن يكنى عنه بطول النجاد، ومعنى كثرة القرى بأن يكنى عنه بكثرة الرماد. وكما أن ذلك لا يتصور، فكذلك لا يتصور أن يتغير معنى مساواة الرجل الأسد في الشجاعة، بأن يكنى عن ذلك ويدل عليه بأن تجعله "أسدا". فأنت الآن إذا نظرت إلى قوله:
فأسبلت لولؤا من نرجس وسقت ... وردا وغضت على العناب بالبرد3
فرأيته قد أفادك أن "الدمع" كان لا يحرم من شبه الؤلؤ،
vol. 1 · p. 449
و "العين" من شبه النرجس1 شيئا، فلا تحسبن أن سبب الحسن الذي تراه فيه، والأربحية التي تجدها عنده، أنه أفاذك ذلك فحسب. وذاك أنك تستطيع أن تجيء به صريحا فتقول: "فأسبلت دمعا كأنه اللؤلؤ بعينه، من عين كأنها النرجس حقيقة"، ثم لا ترى من ذلك الحسن شيئا. ولكن اعلم أن سبب أن راقك، وأدخل الأريحية عليك، أنه أفادك في إثبات شدة الشبة مزية، وأوجدك فيه خاصة قد غرز في طبع الإنسان أن يرتاح لها2، ويجد في نفسه هزة عندها، وهكذا حكم نظائره كقول أبي نواس:
تبكي فتذري الدر عن نرجس ... وتلطم الورد بعناب3
وقول المتبني:
بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت عغزالا4
إذا ظهر التشبيه في "الاستعارة" فبحت:
واعلم أن من شأن "الاستعارة" أنك كلما زدت إرادتك التشبيه إخفاء، ازدادت الاستعارة حسنا، حتى إنك تراها أغرب ما تكون إذا كان الكلام قد ألف تأليفا إن أردت أن تفصح فيه بالتشبيه، خرجت إلى شيء تعافه النفس ويلفظه المسع، ومثال ذلك قول ابن المعتز: