8
vol. 1 · p. 42
فصل- تحقيق القول في البلاغة والفصاحة:
في تحقيق القول على "البلاغة" و "الفصاحة"، و "البيان" و "البراعة"1، وكل ما شاكر ذلك، مما يعبر به عن فضل بعض القائلين على بعض، من حيث نطقوا وتكلموا، وأخبروا السامعين عن الأغراض والمقاصد، وواموا أن يعلموهم ما في نفوسهم؛ ويكشفوا لهم عن ضمائر قلوبهم2.
أول قضية "اللفظ" عند المعتزلة وبيان فسادها:
ومن المعلوم أن لا معنى لهذه العبارات وسائر ما يجري مجراها، مما يفرد فيه اللفظ بالنعت والصفة، وينسب فيه الفضل والمزية إليه دون المعنى3، غير وصف الكلام بحسن الدلالة وتمامها فيما له كانت دلالة، ثم تبرجها في صورة هي أبهى وأزين وآنق وأعجب وأحق بأن تستولي على هوى النفس4، وتنال الحظ الأوفر من ميل القلوب، وأولى بأن تطلق لسان الحامد، وتطيل رغم الحاسد ولا جهة لاستعمال هذه الخصال غير أن تأتي المعنى من الجهة هي أصح لتأديته5، وتختار له اللفظ الذي هو أخص به، وأكشف عنه وأتم له، وأحرى بأن يكسبه نبلا، ويظهر فيه مزية.
vol. 1 · p. 43
وإذا كان هذا كذلك، فينبغي أن ينظر إلى الكلمة قبل دخولها في التأليف، وقبل أن تصير إلى الصورة التي بها يكون الكلم إخبارا وأمرا ونهيا واستخبارا وتعجبا، وتؤدي في الجملة معنى من المعاني التي لا سبيل إلى إفادتها إلا بضم كلمة إلى كلمة، وبناء لفظة على لفظة1 هل يتصور أن يكون بين اللفظتين تفاضل في الدلالة حتى تكون هذه أدل على معناها الذي وضعت له من صاحبتها على ما هي موسومة به2، حتى يقال إن "رجلا" أدل على معناه من "فرس" على ما سمي به وحتى يتصور في الاسمين يوضعان لشيء واحد3، أن يكون هذا أحسن نبأ عنه وأبين كشفا عن صورته من الآخر، فيكون "الليث" مثلا أدل على السبع المعلوم من "الأسد" وحتى إنا لو أردنا الموازنة بين لغتين كالعربية والفارسية، ساغ لنا أن نجعل لفظة "رجل" أدل على الآدمي الذكر من نظيره في الفارسية؟
وهل يقع في وهم وإن جهد، أن تتفاضل الكلمتان المفردتان، من غير أن ينظر إلى مكان تقعان فيه من التأليف والنظم، بأكثر من أن تكون هذه مألوفة مستعملة، وتلك غريبة وحشية، أو أن تكون حروف هذه أخف، وامتزاجها أحسن، ومما يكد اللسان أبعد؟
وهل تجد أحدا يقول: "هذه اللفظة فصيحة"، إلا وهو يعتبر مكانها من النظم، وحسن ملائمة معناها لمعاني جاراتها، وفضل مؤانستها لخواتها؟