210
vol. 1 · p. 410
إذا فكرت في الفعلين أو الاسمين، تريد أن تخبر أحدهما عن الشيء أيهما أولى أن تخبر به عنه وأشبه بغرضك، مثل أن تنظر: أيهما أمدح وأذم، أو فكرت في الشيئين تريد أن تشبه الشيء بأحدهما أيهما أشبه به1 كنت قد فكرت في معاني أنفس الكلم، إلا أن فكرك ذلك لم يكن إلا من بعد أن توخيت يها معنى من معاني النحو، وهو إن أردت جعل الاسم الذي فكرت فيه خبرا عن شيء أردت فيه مدحا أو ذما أو تشبيها، أو غير ذلك من الأغراض2 ولم تجىء إلى فعل أو اسم ففكرت ففيه فردا، ومن غير أن كان لك قصد أن تجعله خيرا أو غير خبر. فاعرف ذلك.
شرح مثال على مقالته الأنفة في بيت بشار، وأدلة ذلك:
وإن أردت مثالا فخذ بيت بشار:
كأن مثار النقع فوق رؤسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه3
وانظر هل يتصور أن يكون بشار قد أخطر معاني هذه الكلم بباله أفرادا عارية من معاني النحو التشبيه منه على شيء وأن يكون فكر في "مثال النقع"، من غير أن يكون أراد إضافة الأول إلى الثاني وفكر في "فوق رؤسنا"، من غير أن يكون قد أراد أن يضيف "فوق" إلى "الرؤوس" وفي "الأسياف" من دون أن يكون أراد عطفها بالواو على "مثار" وفي "الواو".
211
vol. 1 · p. 411
من دون أن يكون أراد العطف بها وأن يكون كذلك فكر في "الليل"، من دون أن يكون أراد أن يجعله خبرا "لكأن" وفي تهاوى كواكبه"، من دون أن يكون أراد أن يجعل "تهاوى" فعلا للكواكب1، ثم يجعل الجملة صفة لليل، ليتم الذي أراد من التشبيه؟ 2 أم لم يخطر هذه الأشياء بباله إلا مرادا فيها هذه الأحكام والمعاني التي نراها فيها؟
وليت شعري، كيف يتصور وقوع قصد منك إلى معنى كلمة من دون أن تريد تعليقها بمعنى كلمة أخرى؟ ومعنى "القصد إلى معاني الكلم"، أن تعلم السامع بها شيئا لا يعلمه. ومعلوم أنك، أيها المتكلم، لست تقصد أن تعلم السامع الكلم المفردة التي تكلمه بها، فلا تقول: "خرج زيد"، لتعلمه معنى "خرج" في اللغة، ومعنى "زيد". كيف؟ ومحال أن تكلمه بألفاظ لا يعرف هو معانيها كما تعرف. ولهذا لم يكن الفعل وحده من دون الاسم، ولا الاسم وحده من دون اسم آخر أو فعل، كلاما. وكنت لو قلت: "خرج"، ولم تأت باسم، ولا قدرت فيه ضمير الشيء، أو قلت: "زيد"، ولم تأت بفعل ولا اسم آخر ولم تضمره في نفسك، كان ذلك وصوتا تصوته سواء، فاعرفه.
"نظم الكلام"، وتوخي النحو يسبك الكلام سبكا واحدا:
واعلم أن مثل واضع الكلام مثل من يأخذ قطعا من الذهب