208
vol. 1 · p. 406
فصل:
دليل آخر على بطلان أن تكون "الفصاحة" صفحة للفظ من حيث هو لفظ:
وهذا فن من الاستدلال لطيف على بطلان أن تكون "الفصاحة" صفة للفظ من حيث هو لفظ.
لا تخلو "الفصاحة" من أن تكون صفة في اللفظ محسوسة تدرك بالسمع، أو تكون صفة فيه معقولة تعرف بالقلب. فمحال أن تكون صفة في اللفظ محسوسة، لأنها لو كانت كذلك، لكان ينبغي أن يستوي السامعون للفظ الفصيح في العلم بكونه فصيحا. وإذا وجب الحكم بكونها صفة معقولة، فإنا لا نعرف للفظ صفة يكون طريق معرفتها العقل دون الحس، إلا دلالته على معنى1 وإذا كان كذلك، لزم منه العلم بأن وصفنا اللفظ بالفصاحة، وصف له من جهة معناه، لا من جهة نفسه، وهذا ما لا يبقى لعاقل معه عذر في الشك، والله الموفق للصواب.
بيان آخر في بطلان أن تكون الفصاحة للفظ من حيث هو لفظ:
وبيان آخر، وهو أن القارئ إذا قرأ قوله تعالى: {واشتعل الرأس شيبا} [مريم: 4]، فإنه لا يجد الفصاحة التي يجدها إلا من بعد أن ينتهي الكلام إلى آخره. فلو كانت "الفصاحة" "صفة للفظ" "اشتعل"، لكطان ينبغي أن يحسبها القارئ فيه حال نطقه به. فمحال أن تكون للشيء صفة، ثم لا يصح العلم بتلك الصفة إلا من بعد عذمه. ومن ذا رأى صفة يعرى موصوفها عنها
vol. 1 · p. 407
في حال وجوده، حتى إذا عدم صارت موجودة فيه؟ وهل سمع السامعون، في قديم الدهر وحديثه، بصفة شرط حصولها لموصوفها أن يعدم الموصوف؟
فإن قالوا: إن الفصاحة التي ادعيناها للفظ "اشتعل" تكون فيه في حال نطقنا به، إلا أنا لا نعلم في تلك الحال أنها فيه، فإذا بلغنا آخر الكلام علمنا حينئذ أنها كانت فيه حين نطقنا به.
قبل: هذا فن آخر من العجب، وهو أن تكون ههنا صفة موجودة في شيء، ثم لا يكون في الإمكان ولا يسع في الجواز، أن يعلم وجود تلك الصفة في ذلك الشيء إلا من بعد أن يعدم، ويكون العلم بها وبكونها فيه محجوبا عنها حتى يعدم، فإذا عدم علمنا حينئذ أنها كانت فيه حين كان.
ثم إنه لا شبهة في أن هذه الفصاحة التي يدعونها للفظ هي مدعاة لمجموع الكلمة دون آحاد حروفها، إذ ليس يبلغ بهم تهافت الرأي إلى أن يدعوا لكل واحد من حروف "اشتعل" فصاحة، فيجعلوا "الشين" على حدته فصيحا، وكذلك "التاء" و "العين" و "اللام". وإذا كانت الفصاحة مدعاة لمجموع الكلمة، لم يتصور حصولها لها إلا من بعد أن تعدم كلها وينقضي أمر النطق بها. ذاك لأنه لا يتصور أن تدخل الحروف بجملتها في النطق دفعة واحدة، حتى تجعل "الفصاحة" موجودة فيها في حال وجودها. وما بعد هذا إلا أن نسأل الله تعالى العصمة والتوفيق، فقد بلغ الأمر في الشناعة إلى حد، إذ تنبه العاقل لف رأسه حياء من العقل1، حين يراه قد قال قولا هذا مؤداه، وسك مسلكا إلى هذا مفضاه.