Skip to content

Books to be read, not browsed

202 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 395 of 670.

202

vol. 1 · p. 396

تجد فيها من الغريب شيئا، وتتأمل ما جمعه العلماء في غريب القرآن؛ فترى الغريب منه إلا في القليل، إنما كان غريبا من أجل استعارة هي فيه، كمثل {وأشربوا في قلوبهم العجل} [البقرة: 93]، ومثل: {خلصوا نجيا} [يوسف: 80]، ومثل {فاصدع بما تؤمر} [الحجر: 94]، دون أن تكون اللفظة غريبة في نفسها؛ إنما ترى ذلك في كلمات معدودة كمثل: {عجل لنا قطنا} [ص: 16] و {ذات ألواح ودسر} [القمر: 13]، و {جعل ربك تحتك سريا} [مريم: 24].

غريب اللغة، ليس له مكان في الإعجاز:

ثم إنه لو كان أكثر ألفاظ القرآن غريبا، لكان محالا أن يدخل ذلك في الإعجاز، وأن يصح التحدي به. ذاك لأنه لا يخلو إذا وقع التحدي به من أن يتحدى من له علم بأمثاله من الغريب، أو من لا علم له بذلك.

فلو تحدي به من يعلم أمثاله، لم يتعذر عليه أن يعارضه بمثله.

ألا ترى أنه لا يتعذر عليك إذا أنت عرفت ما جاء من الغريب في معنى "الطويل" أن تعارض من يقول: "الشوقب"، بأن تقول أنت "الشوذب"، وإذا قال: "الأمق" أن تقول "الأشق"؟ 1 وعلى هذا السبيل.

ولو تحدي به من لا علم له بأمثال ما فيه من الغريب، كان ذلك بمنزلة أن يتحدى العرب إلى أن يتكلموا بلسان الترك.

هذا، وكيف بأن يدخل الغريب في باب الفضيلة، وقد ثبت عنهم أنهم كانوا يرون الفضيلة في ترك استعماله وتجنبه؟ أفلا ترى إلى قول عمر

203

vol. 1 · p. 397

رضي الله عنه في زهير: "إنه كان لا يعاظل بين القول، ولا يتتبع حوشي الكلام"؟ فقرن تتبع "الحوشي" وهو الغريب من غير شبهة إلى "المعاظلة" التي هي التعقيد1.

وقال الجاحظ في "كتاب البيان والتبيين"2: "ورأيت الناس يتداولون رسالة يحيى بن يعمر على لسان يزيد بن المهلب إلى الحجاج3: "إنا لقينا العدو فقتلنا طائفة [وأسرنا طائفة، ولحقت طائفة] بعراعر الأودية وأهضام الغيطان، وبتنا بعرعرة الجبل، وبات العدو بحضيضه"؛ فقال الحجاج: ما يزيد بأبي عذر هذا الكلام! [فقيل له: إن يحيى بن يعمر معه! فأمر بأن يحمل إليه؛ فلما "أتاه] قال: أين ولدت؟ فقال: بالأهواز؛ فقال: فأنى لك هذه الفصاحة؟ قال: أخذتها عن أبي"4.

قال: "ورأيتهم يديرون في كتبهم: أن امرأة خاصمت زوجها إلى يحيى بن يعمر؛ فانتهرها مرارا، فقال له يحيى: إن سألتك ثمن شكرها وشبرك، أنشأت تطلها وتضهلها"5.

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE