Skip to content

Books to be read, not browsed

181 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 363 of 670.

181

vol. 1 · p. 364

فصل

واعلم أني على طول ما أعدت وأبدأت، وقلت وشرحت، في هذا الذي قام في أوهام الناس من حديث "اللفظ"، لربما ظننت أني لم أصنع شيئا، وذاك أنى ترى الناس كأنه قد قضي عليهم أن يكونوا في هذا الذي نحن بصدده، على التقليد البحت، وعلى التوهم والتخيل، وإطلاق اللفظ من غير معرفة بالمعنى، قد صار ذاك الدأب والديدن، واستحكم الداء منه الاستحكام الشديد، وهذا الذي بيناه وأوضحناه، كأنك ترى أبدا حجازا بينهم بين أن يعرفوه1، وكأنك تسمعهم من شيئا تلفظه أسماعهم، وتنكره نفوسهم2، وحتى كأنه كلما كان الأمر أبين، كانوا عن العلم به، وفي توهم خلافه أقعد، وذاك لأن الاعتقاد الأول قد نشب في قلوبهم، وتأشب فيها، ودخل بعروقه في نواحيها، وصار كالنبات السوء الذي كلما قلعته عاد فنبت3.

والذي له صاروا كذلك، أنهم حين رأوهم يفردون "اللفظ" عن "المعنى"، ويجعلون له حسنا على حدة، ورأوهم قد قسموا الشعر فقالوا: "إن منه ما حسن لفظه ومعناه، ومنه ما حسن لفظه دون معناه، ومنه ما حسن معناه دون لفظه"، ورأوهم يصفون "اللفظ" بأوصاف لا يصفون بها "المعنى"، ظنوا أن للفظ، من حيث هو لفظ حسنا ومزية ونبلا.

182

vol. 1 · p. 365

وشرفا، وأن الأوصاف التي نحلوه إياها هي أوصافه على الصحة، وذهبوا عما قدمنا شرحه من أن لهم في ذلك رأيا وتدبيرا، وهو أن يفصلوا بين المعنى الذي هو الغرض، وبين الصورة التي يخرج فيها، فنسبوا ما كان من الحسن والمزية في صورة المعنى إلى "اللفظ"، ووصفوه في ذلك بأوصاف هي تخبر عن أنفسها أنها ليست له، كقولهم: "إنه حلي المعنى، وإنه كالوشي عليه، وإنه قد كسب المعنى ذلا وشكلا1، وإنه رشيق أنيق، وإنه متمكن، وإنه على قدر المعنى لا فاضل ولا مقصر"، إلى أشباه ذلك مما لا يشك أنه لا يكون وصفا له من حيث هو لفظ وصدى صوت، إلا أنهم كأنهم رأوا بسلا حراما أن يكون لهم في ذلك فكر وروية2، وأن يميزوا فيه قبيلا من دبير.

ومما الصفة فيه للمعنى، وإن جرى في ظاهر المعاملة على "اللفظ"، إلا أنه يبعد عند الناس كل البعد أن يكون الأمر فيه كذلك، وأن لا يكون من صفة "اللفظ" بالصحة والحقيقة3 وصفنا اللفظ بأنه "مجاز".

وذاك أن العادة قد جرت بأن يقال في الفرق بين "الحقيقة" و "المجاز": إن "الحقيقة"، أن يقر اللفظ على أصله في اللغة، و "المجاز"، أن يزال عن موضعه، ويستعمل في غير ما وضع له، فيقال: "أسد" ويراد "شجاع"، و "بحر" ويراد جواد.

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE