180
vol. 1 · p. 363
قيل لك: فإذا كان محالا أن يجب في الألفاظ ترتيب من غير أن يتوخى في معانيها معاني النحو، كان قولك: "إن الشاعر ابتدأ فيها ترتيبا"، قولا بما لا يتحصل.
لا يكون ترتيب حتى يكون قصد إلى صورة وصفة:
وجملة الأمر أنه لا يكون ترتيب في شيء حتى يكون هناك قصد إلى صورة وصنعة إن لم يقدم فيه ما قدم، ولم يؤخر ما أخر، وبدئ بالذي ثني به، أو ثني بالذي ثلث به، لم تحصل لك تلك الصورة وتلك الصفة، وإذا كان كذلك، فينبغي أن تنظر إلى الذي يقصد واضع الكلام أن يحصل له من الصورة والصنعة: أفي الألفاظ يحصل له ذلك، أم في معاني الألفاظ؟ وليس في الإمكان أنت يشك عاقل إذا نظر، أن ليس ذلك في الألفاظ، وإنما الذي يتصور أن يكون مقصودا في الألفاظ هو "الوزن"، وليس هو من كلامنا في شيء، لأنا نحن فيما لا يكون الكلام كلاما إلا به، وليس للوزن مدخل في ذلك.
181
vol. 1 · p. 364
فصل
واعلم أني على طول ما أعدت وأبدأت، وقلت وشرحت، في هذا الذي قام في أوهام الناس من حديث "اللفظ"، لربما ظننت أني لم أصنع شيئا، وذاك أنى ترى الناس كأنه قد قضي عليهم أن يكونوا في هذا الذي نحن بصدده، على التقليد البحت، وعلى التوهم والتخيل، وإطلاق اللفظ من غير معرفة بالمعنى، قد صار ذاك الدأب والديدن، واستحكم الداء منه الاستحكام الشديد، وهذا الذي بيناه وأوضحناه، كأنك ترى أبدا حجازا بينهم بين أن يعرفوه1، وكأنك تسمعهم من شيئا تلفظه أسماعهم، وتنكره نفوسهم2، وحتى كأنه كلما كان الأمر أبين، كانوا عن العلم به، وفي توهم خلافه أقعد، وذاك لأن الاعتقاد الأول قد نشب في قلوبهم، وتأشب فيها، ودخل بعروقه في نواحيها، وصار كالنبات السوء الذي كلما قلعته عاد فنبت3.
والذي له صاروا كذلك، أنهم حين رأوهم يفردون "اللفظ" عن "المعنى"، ويجعلون له حسنا على حدة، ورأوهم قد قسموا الشعر فقالوا: "إن منه ما حسن لفظه ومعناه، ومنه ما حسن لفظه دون معناه، ومنه ما حسن معناه دون لفظه"، ورأوهم يصفون "اللفظ" بأوصاف لا يصفون بها "المعنى"، ظنوا أن للفظ، من حيث هو لفظ حسنا ومزية ونبلا.