4
vol. 1 · p. 37
وأخلق بأن يزداد نورها سطوعا، وكوكبها طلوعا1 وأن تسلك إليها الطريق الذي هو آمن لك من الشك، وأبعد من الريب، وأصح لليقين، وأحرى بأن يبلغك قاصية التبيين.
واعلم أنه لا سبيل إلى أن تعرض صحة هذه الجملة حتى يبلغ القول غايته، وينتهي إلى آخر ما أردت جمعه لك، وتصويره في نفسك، وتقريره عندك.
دليل الإعجاز والرد على المعتزلة:
إلا أن ههنا نكتة، إن أنت تأملتها تأمل المثبت، ونظرت فيها نظر المتأني، رجوت أن يحسن ظنك، وأن تنشط للإصغاء إلى ما أورده عليك، وهي إنا إذا سقنا دليل الإعجاز فقلنا: لولا أنهم حين سمعوا القرآن، وحين تحدوا إلى معارضته، سمعوا كلاما لم سمعوا قط مثله، وأنهم رازوا أنفسهم فأحسسوا بالعجز عن أن يأتوا بما يوازيه أو يدانيه أو يقع قريبا منه2 لكان محالا أن يدعوا معارضته وقد تحدوا إليه، وفرعوا فيه، وطولبوا به، وأن يتعرضوا لشبا الأسنة3، ويقتحموا موارد الموت.
5
vol. 1 · p. 38
1 فقيل لنا: قد سمعنا ما قلتم، فخبرونا عنهم، عما ذا عجزوا؟ أعن معان من دقة معانيه وحسنها وصحتها في العقول؟ أم عن ألفاظ مثل ألفاظه؟ فإن قلتم: "عن الألفاظ"، فماذا أعجزهم من اللفظ، أم ما بهرهم منه؟
فقلنا: أعجزتم مزايا ظهرت لهم في نظمه، وخصائص صادفوها في سياق لفظه، وبدائع راعتهم من مبادئ آيه ومقاطعها2، ومجاري ألفاظها ومواقعها، وفي مضرب كل مثل، ومساق كل خبر3، وصورة كل عظة وتنبيه، وإعلام وتذكير، وترغيب وترهيب، ومع كل حجة وبرهان، وصفة وتبيان4 وبهرهم أنهم تأملوه سورة سورة، وعشرا عشرا، وآية آية، فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانها، ولفظة ينكر شانها، أو يرى أن غيرها أصلح هناك أو أشبه، أو أحرى وأخلق، بل وجدوا اتساقا بهر العقول، وأعجز الجمهور، ونظاما والتئاما، وإتقانا وإحكاما، لم يدع في نفس بليغ منهم، ولو حك بيافوخه السماء، موضع طمع، حتى خرست الألسن عن أن تدعي وتقول، وخذيت القروم فلم تملك أن تصول5.