174
vol. 1 · p. 354
بالغيب} [فاطر: 18]، المعنى على أن من لم تكن له هذه الخشية، فهو كأنه ليس له أذن تسمع وقلب يعقل، فالإنذار معه كلا إنذار.
ومثال ذلك في الشعر قوله:
أنا لم أرزق محبتها ... إنما للعبد ما رزقا1
الغرض أن يفهمك من طريق التعريض أنه قد صار ينصح نفسه، ويعلم أنه ينبغي له أن يقطع الطمع من وصلها2، وييأس من أن يكون منها إسعاف.
ومن ذلك قوله:
وإنما يعذر العشاق من عشقا
يقول: إنه ليس ينبغي للعاشق أن يلوم من يلومه في عشقه، وأنه ينبغي أن لا ينكر ذلك منه، فإنه لا يعلم كنه البلوى في العشق، ولو كان ابتلي به لعرف ما هو فيه فعذره.
وقوله:
ما أنت بالسبب الضعيف وإنما ... نجح الأمور بقوة الأسباب
فاليوم حاجتنا إليك ... وإنما يدعى الطبيب لساعة الأوصاب3
يقول في البيت الأول: إنه ينبغي أن أنجح في أمري حين جعلتك السبب
175
vol. 1 · p. 355
إليه. ويقول في الثاني: إنا قد وضعنا الشيء في موضعه، وطلبنا الأمر من جهته، حين استعنا بك فيما عرض من الحاجة1، وعولنا على فضلك، كما أن من عول على الطبيب فيما يعرض له من السقم، كان قد أصاب التعويل موضعه، وطلب الشيء من معدنه.
ثم إن العجب في أن هذا التعريض الذي ذكرت لك، لا يحصل من دون "إنما". فلو قلت: "يتذكر أولو الألباب"، لم يدل ما دل عليه في الآية، وإن كان الكلام لم يتغير في نفسه، وليس إلا أنهن ليس فيه "إنما"2.
والسبب في ذلك أن هذا التعريض، إنما وقع بأن كان من شأن "إنما" أن تضمن الكلام معنى النفي من بعد الإثبات، والتصريح بامتناع التذكر ممن لا يعقل. وإذا أسقطت من الكلام فقيل: "يتذكر أولوا الألباب"، كان مجرد