164
vol. 1 · p. 336
تبطل ظن المخاطب أن المجيء لم يكن منه، ولكن كان من "عمرو" حسب ما يكون إذا قلت: "جاءني زيد لا عمرو"، فاعرفه.
بيان وأمثلة فيما فيه "ما" و"إلا":
وإذ قد عرفت هذه الجملة، فإنا نذكر جملة من القول في "ما" و "إلا" وما يكون من حكمهما.
إعلم أنك إذا قلت: "ما جاءني إلا زيد": احتمل أمرين:
أحدهما: أن تريد اختصاص "زيد" بالمجيء وأن تنفيه عمن غداه، وأن يكون كلاما تقوله، لا لأن بالمخاطب حاجة إلى أن يعلم أن "زيدا" قد جاءك، ولكن لأن به حاجة إلى أن يعلم أنه لم يجىء إليك غيره.
والثاني: أن تريد الذي ذكرناه في "إنما"، ويكون كلاما تقوله ليعلم أن الجائي "زيد" لا غيره. فمن ذلك قولك للرجل يدعي قلت قولا ثم قلت خلافه: "ما قلت اليوم إلا ما قلته أمس بعينه" ويقول: "لم تر زيدا، وإنما رأيت فلانا"، فتقول: "بل لم أر إلا زيدا". وعلى ذلك قوله تعالى: {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم} [المائدة: 117]، لأنه ليس المعنى: أني لم أزد على ما أمرتني به شيئا، ولكن المعنى: أني لم أدع ما أمرتني به أن أقوله لهم وقلت خلافه.
ومثال ما جاء في الشعر من ذلك قوله:
قد علمت سلمى وجاراتها ... ما قطر الفارس إلا أنا1
vol. 1 · p. 337
المعنى: أن الذي قطر الفارس، وليس المعنى على أنه يريد أن يزعم أنه انفرد بأنقطره، وأنه لم يشركه فيه غيره.
بيان في قوله: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} وتقديم اسمه سبحانه:
وههنا كلام ينبغي أن تغلمه، إلا أني أكتب لك من قبله مسألة، لأن فيها عونا عليه. قوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28]، في تقديم اسم الله عز وجل معنى خلاف ما يكون لو أخر. وإنما يبين لك ذلك إذا اعتبرت الحكم في "ما" و "إلا"، وحصلت الفرق بين أن تقول: "ما ضرب زيدا إلا عمرو"، وبين قولك: "ما ضرب عمرو إلا زيدا".
والفرق بينهما أنك إذا قلت: "ما ضرب زيدا إلا عمرو"، فقدمت المنصوب، كان الغرض بيان الضارب من هو، والإخبار بأنه عمرو خاصة دون غيره وإذا قلت: "ما ضرب عمرو إلا زيدا"، فقدمت المرفوع، كان الغرض بيان المضروب من هو، والإخبار بأنه "زيد" خاصة دون غيره.
وإذ قد عرفت ذلك فاعتبر به الآية، وإذا اعتبرتها به علمت أن تقديم اسم الله تعالى إنما كان لأجل أن الغرض أن يبين الخاشون من هم، ويخبر بأنهم العلماء خاصة دون غيرهم. ولو أخر ذكر اسم الله وقدم