124
vol. 1 · p. 270
وجملة الأمر أنا لا نعلم أحدا جعل جمود العين دليل سرورة وأمارة غبطة، وكناية عن أن الحال حال فرح.
فهذا مثال فيما هو بالضد مما شرطوا من أن لا يكون لفظه أسبق إلى سمعك، من معناه إلى قلبك لأنك ترى اللفظ يصل إلى سمعك، وتحتاج إلى أن تحب وتوضع في طلب المعنى.
ويجري لك هذا الشرح والتفسير في "النظم" كما جرى في "اللفظ"، لأنه إذا كان النظم سويا، والتأليف مستقيما، كان وصول المعنى إلى قلبك، تلو وصول اللفظ إلى سمعك. وإذا كان على خلاف ما ينبغي، وصل اللفظ إلى السمع، وبقيت في المعنى تطلبه وتنعب فيه، وإذا أفرط الأمر في ذلك صار إلى التعقيد الذي قالوا: "إنه يستهلك المعنى".
واعلم أن لم تضق العبارة ولم يقصر اللفظ ولم ينغلق الكلام في هذا الباب1، إلا لأنه قد تناهى في الغموض والخفاء إلى أقصى الغايات، وأنك لا ترى أغرب مذهبا، وأعجب طريقا، وأحرى بأن تضطرب فيه الأراء، منه. وما قولك في شيء قد بلغ من أمره أن يدعى على كبار العلماء أنهم لم يعلموه ولم يفطنوا له؟ فقد ترى أن البحتري قال حين سئل عن مسلم وأبي نواس: أيهما أشعر؟ فقال: أبو نواس. فقيل: فإن أبا العباس ثعلبا لا يوافقك على هذا. فقال: ليس هذا من شأن ثعلب وذويه من المتعاطين لعلم الشعر دون
vol. 1 · p. 271
عمله، إنما يعلم ذلك من دفع في مسلك طريق الشعر إلى مضايقه وانتهى إلى ضروراته1.
ثم لم ينفك العالمون به والذين هم من أهله، من دخول الشبهة فيه عليهم، ومن اعتراض السهو والغلط لهم. روي عن الأصمعي أنه قال: كنت أشدو من أبي عمرو بن العلاء وخلف الأحمر2، وكانا يأتيان بشارا فيسلمان عليه بغاية الإعظام، ثم يقولان: يا أبا معاذ، ما أحدثت؟ فيخبرهما وينشدهما، ويسألانه ويكتبان عنه متواضعين له، حتى يأتي وقت الزوال، ثم ينصرفان. وأتياه يوما فقالا: ما هذه القصيدة التي أحدثتها في سلم بن قتيبة؟ قال: هي التي بلغتكم. قالوا: بلغنا أنك أكثرت فيها من الغريب. قال: نعم، بلغني أن سلم بن قتيبة يتباصر بالغريب، فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف. قالوا: فانشدناها يا أبا معاذ. فأنشدهما:
بكرا صاحبي قبل الهجير ... إذا ذاك النجاح في التبكير
حتى فرغ منها، فقال له خلف: لو قلت يا أبا معاذ مكان "إن ذاك النجاح في التبكير".