Skip to content

Books to be read, not browsed

113 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 251 of 670.

113

vol. 1 · p. 252

وذويه، من المتعاطين لعلم الشعر دون عمله، إنما يعلم ذلك من دفع في مسلك طريق الشعر إلى مضايقه وانتهى إلى ضروراته1.

وعن بعضهم أنه قال: رآني البحتري ومعي دفتر شعر فقال: ما هذا؟ فقلت: شعر الشنفرى. فقال: وإلى أين تمضي؟ فقلت: إلى أبي العباس أقرؤه عليه. فقال: قد رأيت أبا عباسكم هذا منذ أيام عند ابن ثوابة فما رأيته ناقدا للشعر ولا مميزا للألفاظ، ورأيته يستجيد شيئا وينشده، وما هو بأفضل الشعر. فقلت له: أما نقده وتمييزه فهذه صناعة أخرى، ولكنه أعرف الناس بإعرابه وغريبه، فما كان ينشد؟ قال قول الحارث بن وعلة:

قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي

فلئن عفوت لأعفون جللا ... ولئن سطوت لأوهنن عظمي2

فقلت: والله ما أنشد إلا أحسن شعر في أحسن معنى ولفظ. وقال: أين الشعر الذي فيه عروق الذهب؟ فقلت: مثل ماذا؟ فقال: مثل قول أبي ذؤاب:

إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب

بأشدهم كلبا على أعدائه ... وأعزهم فقدا على الأصحاب3

vol. 1 · p. 253

وفي مثل هذا قال الشاعر:

زوامل للأشعار لا علم عندهم ... بجيدها إلا كعلم الأباعر

لعمرك ما يدري البعير إذا غدا ... بأوساقه أو راح ما في الغرائر1

وقال الآخر:

يا أبا جعفر تحكم في الشع ... ر وما فيك ألة الحكام

إن نقد الدينار إلا على الصي ... رف صعب فكيف نقد الكلام

قد رأيناك لست تفرق في الأش ... عار بين الأرواح والأجسام

واعلم أنهم لم يعيبوا تقديم الكلام بمعناه من حيث جهلوا أن المعنى إذا كان أدبا وحكمة وكان غريبا نادرا، فهو أشرف مما ليس كذلك بل عابوه من حيث كان من حكم من قضى في جنس من الأجناس بفضل أو نقص، أن لا يعتبر في قضيته تلك إلى الأوصاف التي تخص ذلك الجنس وترجع إلى حقيقته، وأن لا ينظر يها إلى جنس آخر، وإن كان من الأولى بسبيل، أو متصلا به اتصال ما لا ينفك منه.

سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة:

ومعلوم أن سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة، وأن سبيل المعنى الذي يعبر عنه سبيل الشيء الذي يقع التصوير والصوغ فيه، كالفضة والذهب يصاغ منهما خاتم أو سوار. فكما أن محالا إذا أنت أردت النظر في

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE