112
vol. 1 · p. 250
كلام الجاحظ في شأن إعجاز القرآن:
وليت شعري من أين لمن لم يتعب في هذا الشأن، ولم يمارسه، ولم يوفر عنايته، عليه، أن ينظر إلى قول الجاحظ وهو يذكر عجاز القرآن:
"ولو أن رجلا قرأ على رجل من خطبائهم وبلغائهم سورة قصيرة أو طويلة، لتبين له في نظامها ومخرجها من لفظها وطابعها، أنه عاجز من مثلها، ولو تحدى بها أبلغ العرب لأظهر عجزه عنها"1.
وقوله وهو يذكر رواة الأخبار:
"ورأيت عامتهم، فقد طالت مشاهدتي لهم وهم لا يقفون إلا على الألفاظ المتخيرة، والمعاني المنتخبة، والمخارج السهلة، والديباجة الكريمة، وعلى الطبع المتمكن، وعلى السبك الجيد، وعلى كل كلام له ماء ورونق".
وقوله في بت الحطيئة:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد
"وما كان ينبغي أن يمدح بهذا البيت إلا من هو خير أهل الأرض، على أني لم أعجب بمعناه أكثر من عجبي بلفظه، وطبعه، ونحته، وسبكه، فيفهم منه شيئا أو يقف للطابع والنظام والنحت والسبك والمخارج السهلة، على معنى، أو يحلى منه بشيء، وكيف بأن يعرفه؟ ولربما خفي على كثير من أهله".
واعلم أن الداء الدوي، والذي أعيا أمره في هذا الباب، غلط من قدم الشعر بمعناه، وأقل الاحتفال باللفظ، وجعل لا يعطيه من المزية إن هو
vol. 1 · p. 251
أعطى إلا ما فضل عن المعنى يقول: "ما في اللفظ لولا المعنى؟ وهل الكلام إلا بمعناه؟ ". فأنت تراه لا يقدم شعرا حتى يكون قد أودع حكمة وأدبا، واشتمل على تشبيه غريب ومعنى نادر، فإن مال إلى اللفظ شيئا، ورأى أن ينحله بعض الفضيلة، لم يعرف غير "الاستعارة"، ثم لا ينظر في حال تلك "الاستعارة" أحسنت بمجرد كونها استعارة، أم من أجل فرق ووجه أم للأمرين؟ لا يحفل بهذا وشبهه، قد قنع بظواهر الأمور، وبالجمل، وبأن يكون كمن يجلب المتاع للبيع، إنما همه أن يروج عنه. يرى أنه إذا تكلم في الأخذ والسرقة، وأحسن أن يقول: "أخذه من فلان، وألم فيه بقول كذا"، فقد استكمل الفضل، وبلغ أقصى ما يراد.
واعلم أنا وإن كنا إذا اتبعنا العرف والعادة وما يهجس في الضمير وما عليه العامة، أرانا ذلك أن الصواب معهم، وأن التعويل ينبغي أن يكون على المعنى. وأنه الذي لا يسوغ القول بخلافه1 فإن الأمر بالضد إذا جئنا إلى الحقائق، وإلى ما عليه المحصلون، لأنا لا نرى متقدما في علم البلاغة، مبرزا في شأوها، إلا وهو ينكر هذا الرأي ويعيبه، ويزري على القائل به ويغض منه.
معرفة الشعر وتمييزه، والأخبار في ذلك:
ومن ذلك ما روي عن البحتري. روي أن عبيد الله بن عبد الله ابن طاهر سأله عن مسلم وأبي نواس: أيهما أشعر؟ فقال: أبو نواس. فقال: إن أبا العباس ثعلبا لا يوافقك على هذا. فقال: ليس هذا من شأن ثعلب