Skip to content

Books to be read, not browsed

106 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 237 of 670.

106

vol. 1 · p. 238

عفاه كل حنان ... عسوف الويل هطال1

لما قال: "عفا من بعد أحوال"، قدر كأنه قيل له: "فما عفاه؟ " فقال: "عفاه كل حنان".

واعلم أن السؤال إذا كان ظاهرا مذكورا في مثل هذا، كان الأكثر أن لا يذكر الفعل في الجواب، ويقتصر على الاسم وحده. فأما مع الإضمار فلا يجوز إلا أن يذكر الفعل

تفسير هذا: أنه يجوز لك إذا قيل: "إن كانت الرياح لم تعفه فما عفاه؟ " أن تقول: "من حدابهم وساقا" ولا تقول: "عفاه من حدا"، كما تقول في جواب من يقول: "من فعل هذا؟ ": زيد ولا يجب أن تقول: "فعله زيد".

وأما إذا لم يكن السؤال مذكورا كالذي عليه البيت، فإنه لا يجوز أن يترك ذكر الفعل. فلو قلت مثلا: "وما عفت الرياح له محلا، من حدابهم وساقا" تزعم أنك أردت "عفاه من حدابهم"، ثم ترك ذكر الفعل، أحلت2، لأنه إنما يجوز تركه حيث يكون السؤال مذكورا، لأن ذكره فيه يدل على إرادته في الجواب، فإذا لم يوت بالسؤال لم يكن إلى العلم به سبيل، فاعرف ذلك.

vol. 1 · p. 239

ما جاء في التنزيل "قال" غير معطوف وأمثلته:

واعلم أن الذى تراه في التنزيل من لفظ "قال" مفصولا غير معطوف، هذا هو التقدير فيه، والله أعلم. أعني مثل قوله تعالى: {هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين، إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون، فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين، فقربه إليهم قال ألا تأكلون، فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف} [الذاريات: 24 - 28]، جاء على ما يقع في أنفس المخلوقين من السؤال. فلما كان في العرف والعادة فيما بين المخلوقين إذا قيل لهم: "دخل قوم على فلان فقالوا كذا"، أخرج الكلام ذلك المخرج1، لأن الناس خوطبوا بما يتعارفونه، وسلك باللظف معهم المسلك الذي يسلكونه.

وكذلك قوله: {قال ألا تأكلون}، وذلك أن قوله: {فجاء بعجل سمين، فقربه إليهم فجاء بعجل سمين، فقربه إليهم}، يقتضي أن يتبع هذا الفعل بقول: فكأنه قيل والله أعلم: "فما قال حين وضع الطعام بين أيديهم؟ "، فأتى قوله: {قال ألا تأكلون} جوابا عن ذلك.

وكذا: {قالوا لا تخف}، لأن قوله: {فأوجس منهم خيفة}، يقتضي أن يكون من الملائكة كلام في تأنيسه وتسكينه مما خامره، فكأنه قيل: "فما قالوا حين رأوه وقد تغير ودخلته الخيفة؟ " فقيل: "قالوا لا تخف".

وذلك، والله أعلم، المعنى في جميع ما يجيء منه على كثرته، كالذي يجيء في قصة فرعون عليه اللعنة، وفي رد موسى عليه السلام عليه كقوله: {قال فرعون وما رب العالمين، قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE