Skip to content

Books to be read, not browsed

104 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 232 of 670.

104

vol. 1 · p. 233

المعطوف شيئا لا يكون حتى يكون المعطوف عليه، ويكون الشرط لذلك سببا فيه بوساطة كونه سببا للأول1، ومثاله قولك: "إذا رجع الأمير إلى الدار استأذنته وخرجت"، فالخروج لا يكون حتى يكون الاستئذان، وقد صار "الرجوع" سببا في الخروج، من أجل كونه سببا في الاستئذان، فيكون المعنى في مثل هذا على كلامين، نحو: "إذا رجع الأمير استأذنت، وإذا استأذنت خرجت".

وإذا قد عرفت ذلك، فإنه لو عطف قوله تعالى: {الله يستهزئ بهم} على "قالوا" كما زعمت، كان الذي يتصور فيه أن يكون من هذا الضرب الثاني، وأن يكون المعنى: {وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون}، فإذا قالوا ذلك استهزأ الله بهم ومدهم في طغيانهم يعمهون.

وهذا وإن كان يرى أنه يستقيم، فليس هو بمستقيم. وذلك أن الجزاء إنما هو على نفس الاستهزاء وفعلهم له وإرادتهم إياه في قولهم: "آمنا"، لا على أنهم حدثوا على أنفسهم بأنه مستهزؤون والعطف على "قالوا" يقتضي أن يكون الجزاء على حديثهم عن أنفسهم بالاستهزاء، لا عليه نفسه.

ويبين ما ذكرناه من أن الجزاء ينبغي أن يكون على قصدهم الاستهزاء وفعلهم له، لا على حديثهم عن أنفسهم بأن مستهزؤون2 أنهم لو كانوا قالوا لكبرائهم: {إنما نحن مستهزئون} وهم يريدون بذلك دفعهم عن أنفسهم بهذا الكلام3، وأنت يسلموا من شرهم، وأن يوهموهم أنهم منهم وإن

vol. 1 · p. 234

لم يكونوا كذلك1 لكان لا يكون عليهم مؤاخذة فيما قالوه، من حيث كانت المؤاخذة تكون على اعتقاد الاستهزاء والخديعة في إظهار الإيمان، لا في قول: "إنا استهزأنا" من غير أن يقتر بذلك القول اعتقاد ونية.

ما يوجب الاستئناف وترك العطف وأمثلته:

هذا، وههنا أمر سوى ما مضى يوجب الاستئناف وترك العطف، وهو أن الحكاية عنهم بأنهم قالوا كيت وكيت، تحرك السامعين لأن يعلموا مصير أمرهم وما يصنع بهم، وأننزل بهم النقمة عاجلا أم لا تنزل ويمهلون2 وتوقع في أنفسهم التمني لأن يتبين لهم ذلك. وإذا كان كذلك، كان هذا الكلام الذي هو قوله: {الله يستهزئ بهم}، فيم عنى ما صدر جوابا عن هذا المقدر مبتدأ غير معطوف، ليكون في صورته إذا قيل: "فإن سألتم قيل لكم": {الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون}.

وإذا استقريت وجدت هذا الذي ذكرت لك، من تنزيلهم الكلام إذا جاء يعقب ما يقتضي سؤالا3، منزلته إذا صريح بذلك السؤال4 كثيرا، فمن لطيف ذلك قوله:

زعم العوال أنني في غمرة، ... صدقوا، ولكن غمرتي لا تنجلي5

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE