100
vol. 1 · p. 225
والمعاني في ذلك كالأشخاص، فإنما قلت مثلا: "العلم حسن والجهل قبيح"، لأن كون العلم حسنا مضموم في العقول إلى كون الجهل قبيحا.
عطف الجمل بالواو:
واعلم أنه إذا كان المخبر عنه في الجملتين واحدا كقولنا: "هو يقول ويفعل، ويضر وينفع، ويسيء ويحسن، ويأمر وينهى، ويحل ويعقد، ويأخذ ويعطي، ويبيع ويشتري، ويأكل ويشرب" وأشباه ذلك، ازداد معنى الجمع في "الواو" قوة وظهورا، وكان الأمر حينئذ صريحا.
وذلك أنك إذا قلت: "هو يضر وينفع"، كنت قد أفدت "بالواو" أنك أوجبت له الفعلين جميعا، وجعلته يفعلهما معا، ولو قلت: "يضر ينفع": من غير "واو" لم يجب ذلك، بل قد يجوز أن يكون قولك "ينفع"، رجوعا من قولك "يضر" وإبطالا له.
وإذا وقع الفعلان في مثل هذه في الصلة، ازداد الاشتباك والاقتران حتى لا يتصور تقدير إفراد في أحدهما عن الآخر، وذلك في مثل قولك: "العجب من أني أحسنت وأسأت" و "يكفيك ما قلت وسمعت" و"أيحسن أن تنهى عن شيء وتأتي مثله؟ "، وذلك أنه لا يشتبه على عاقل أن المعنى على جعل الفعلين في حكم فعل واحد. ومن البين في ذلك قوله:
لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم ... وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا1
المعنى: لا تطمعوا أن تروا إكرامنا قد وجد مع إهانتكم، وجامعها في الحصول.
vol. 1 · p. 226
ومما له مأخذ لطيف في هذا الباب قول أبي تمام:
لهان علينا أن نقول وتفعلا ... ونذكر بعض الفضل منك وتفضلا1
الصفة والتأكيد لا تحتاج إلى شيء يصلها بالموصوف أو المؤكد:
واعلم أنه كماكان من الأسماء ما يصله معناه بالاسم قبله، فيستغني بصلة له عن واصل يصله ورابط يربطه وذلك كالصفة التي لا تحتاج في اتصالها بالموصوف إلى شيء يصلها به، وكالتأكيد الذي لا يفتقر كذلك إلى ما يصله بالمؤكد2 كذلك يكون في الجمل ما تتصل من ذات نفسها بالتي قبلها، وتستغني بربط معناها لها عن حرف عطف يربطها، وهي كل جملة كانت مؤكدة للتي قبلها ومبينة لها، وكانت إذا حصلت لم تكن شيئا سواها، كما لا تكون الصفة غير الموصوف، والتأكيد غير المؤكد. فإذا قلت: "جاءني زيد الظريف"، و "جاءني القوم كلهم"، لم يكن "الظريف" و "كلهم" غير زيد وغير القوم.
الجملة المؤكدة لا تحتاج إلى عاطف وأمثلة ذلك:
ومثال ما هو من الجمل كذلك قوله تعالى: {آلم، ذلك الكتاب لا ريب فيه} [البقرة: 1، 2] قوله: "لا ريب فيه"، بيان وتوكيد وتحقيق لقوله: {ذلك الكتاب}، وزيادة تثبيت له، وبمنزلة أن تقول: "هو ذلك الكتاب، هو ذلك الكتاب"، فتعيده مرة ثانية لتثبته، وليس يثبت الخبر غير الخبر، ولا شيء يتميز به عنه فيحتاج إلى ضام يضمه إليه، وعاطف يعطفه عليه.