مزايا النظم بحسب المعاني والأغراض
vol. 1 · p. 185
الفرق بين: "المنطلق زيد" و"زيد المنطلق" والمبتدأ والخبر معرفتان
وأما قولنا: "المنطلق زيد"، والفرق بينه وبين أن تقول: "زيد المنطلق"1، فالقول في ذلك أنك وإن كنت ترى في الظاهر أنهما سواء من حيث كان الغرض في الحالين إثبات انطلاق قد سبق العلم به لزيد2، فليس الأمر كذلك، بل بين الكلامين فصل ظاهر.
وبيانه: أنك إذا قلت: "زيد المنطلق"، فأنت في حديث انطلاق قد كان، وعرف السامع كونه، إلا أنه لم يعلم أمن زيد كان أم من عمرو؟ فإذا قلت: "زيد المنطلق"، أزلت عنه الشك وجعلته يقطع بأنه كان من زيد، بعد أن كان يرى ذلك على سبيل الجواز.
وليس كذلك إذا قدمت "المنطلق" فقلت: "المنطلق زيد"، بلى يكون المعنى حيئذ على أنك رأيت إنسانا ينطلق بالبعد منك، فلم تثبته3، ولم تعلم أزيد هو أم عمرو، فقال لك صاحبك: "المنطلق زيد"، أي هذا الشخص الذي تراه من بعد هو زيد.
وقد ترى الرجل قائما بين يديك وعليه ثوب ديباج، والرجل ممن عرفته قديما ثم بعد عهدك به فتناسيته، فيقال لك: "اللابس الديباج صاحبك الذي كان يكون عندك في وقت كذا، أما تعرفه؟ لشد ما نسيت"، ولا يكون الغرض أن يثبت له ليس الديباج، لاستحالة ذلك، من حيث إن رؤيتك الديباج عليه تغنيك عن إخبار مخبر وإثبات مثبت لبسه له.
80
vol. 1 · p. 186
فمتى رأيت اسم فاعل أو صفة من الصفات قد بدىء به، فجعل مبتدأ، وجعل الذي هو صاحب الصفة في المعنى خبرا، فاعلم أن الغرض هناك، غير الغرض إذا كان اسم الفاعل أو الصفة خبرا، كقولك: "زيد المنطق".
اختلاف معنى التقديم والتأخير في المعرفتين إذا كانتا مبتدأ وخبرا:
واعلم أنه ربما اشتبهت الصورة في بعض المسائل من هذا الباب، حتى يظن أن المعرفتين إذا وقعتا مبتدأ وخبرا، لم يختلف المعنى فيهما بتقديم وتأخير. ومما يوهم ذلك قول النحويين في "باب كان": "إذا اجتمع معرفتان كنت بالخيار في جعل أيهما شئت اسما، والآخر خبرا، كقولك: "كان زيد أخاط" و "كان أخوك زيدا"، فيظن من ههنا أن تكافؤ الاسمين ي التعريف يقتضي أن لا يختلف المعنى بأن نبدأ بهذا وثنتنى بذاك، وحتى كان الترتيب الذي يدعى بين المبتدأ والخبر وما يوضع لهما من المنزلة في التقدم والتأخر، يسقط ويرتفع إذا كان الجزآن معا معرفتين.
ومما يوهم ذلك أنك تقول: "الأمير زيد"، و "جئتك والخليفة عبد الملك"، فيكون المعنى على إثبات الإمارة لزيد، والخلافة لعبد الملك، كما يكون إذا قلت: "زيد الأمير" و "عبد الملك الخليفة"، وتقوله لمن لا يشاهد1، ومن هو غائب عن حضرة الإمارة ومعدن الخلافة.
وهكذا من يتوهم في نحو قوله: