Skip to content

Books to be read, not browsed

72 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 168 of 670.

72

vol. 1 · p. 169

أمثلة أخرى للحذف:

وإذ قد عرفت هذا، فإن هذا المعنى بعينه قد أوجب في بيت ذي الرمة أن يضع اللفظ على عكس ما وضعه البحتري1، فيعمل الأول من الفعلين، وذلك قوله:

ولم أمدح لأرضيه بشعري ... لئيما، أن يكون أصاب مالا2

أعمل "لم أمدح"، الذي هو الأول، في صريح لفظ "اللئيم"، و "أرضى"، الذي هو الثاني، في ضميره. وذلك لأن إيقاع نفي المدح على اللئيم صريحا، والمجيء به مكشوفا ظاهرصا، هو الواجب من حيث كان أصل الغرض، وكان الإرضاء تعليلا له. ولو أنه قال: "ولم أمدح لأرضي بشعري لئيما"، لكان يكون قد أبهم الأمر فيما هو الأصل، وأبانه فيما ليس بالأصل، فاعرفه.

ولهذا الذي ذكرنا من أن للتصريح عملا لا يكون مثل ذلك العمل للكناية، كان فعادة اللفظ في مثل قوله تعالى: {وبالحق أنزلناه وبالحق نزل} [الإسراء: 105] وقوله تعالى: {قل هو الله أحد، الله الصمد} [الإخلاص: 1، 2] من الحسن والبهجة، ومن الفخامة والنبل، ما لا يخفى موضعه على بصير. وكان لو ترك فيه الإظهار إلى الإضمار فقيل: "وبالحق أنزلناه وبه نزل": و "قل هو الله أحد هو الصمد" لعدمت الذي أنت واجده الآن.

vol. 1 · p. 170

فصل: مثال آخر للحذف:

قد بان الآن واتضح لمن نظر نظر المتثبت الحصيف الراغب في اقتداح زناد العقل، والازدياد من الفضل، ومن شأنه التوق إلى أن يعرف الأشياء على حقائقها، ويتغلغل إلى دقائقها، ويربأ بنفسه عن مرتبة المقلد الذبي يجري مع الظاهر، ولا يعدو الذي يقع في أول الخاطر1 أن الذي قلت في شأن "الحذف" وفي تفخيم أمره، والتنويه بذكره، وأن مأخذه مأخذ يشبه السحر، ويبهر الفكر، كالذي قلت2.

وهذا فن آخر من معانيه عجيب، وأنا ذاكره لك3. قال البحتري في قصيدته التي أولها:

أعن سفه يوم الأبيرق أم حلم4

وهو يذكر محاماة الممدوح عليه، وصيانته له، ودفعه نوائب الزمان عنه:

وكم ذدت عني من تحامل حادث ... وسورة أيام حززن إلى العظم

الأصل لا محالة: حززن اللحم إلى العظم، إلا أن في مجيئه به محذوفا، وإسقاطه له من النطق، وتركه في الضمير، مزية عجيبة وفائدة جليلة.

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE