Skip to content

Books to be read, not browsed

71 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 165 of 670.

71

vol. 1 · p. 166

و "لو شئت أن تعود بلاد نجد عودة عدتها" أذهب الماء والرونق، وخرجت إلى كلام غث، ولفظ رث.

وأما قول الجوهري:

فلم يبق مني الشوق غير تفكري ... فلو شئت أن أبكي بكيت تفكرا1

فقد نحا به نحو قوله:

ولو شئت أن أبكي دما لبكيته2

فأظهر مفعول "شئت"، ولم يقل: "فلو شئت بكيت تفكرا"، لأجل أن له غرضا لا يتم إلا بذكر المفعول، وذلك أنه لم يرد أن يقول: "ولو شئت أن أبكي تفكرا بكيت كذلك"، ولكنه أراد أن يقول: قد أفناني النحول، فلم يبق مني وفي غير خواطر تجول، حتى لو شئت بكاء فمريت شؤوني3، وعصرت عيني ليسيل منها دمع لم أجده، ولخرج بدل الدمع التفكر4. فالبكاء الذي أراد إيقاع المشيئة عليه مطلق مبهم غير معدى إلى "التفكر" البتة، و "البكاء" الثاني مقيد معدى إلى التفكر. وإذا كان الأمر كذلك، صار الثاني كأنه شيء غير الأول، وجرى مجرى أن تقول: "لو شئت أن تعطي درهما أعطيت درهمين" في أن الثاني لا يصلح أن يكون تفسيرا للأول.

vol. 1 · p. 167

مثال آخر نادر لطيف في الخدمة:

واعلم أن هذا الذي ذكرنا ليس بصريح: "أكرمت وأكرمني عبد الله"1 لكنه شبيه به في أنه إنما حذف الذي حذف من مفعول "المشيئة" و "الإرادة"، لن الذي يأتي في جواب "لو" وأخواتها يدل عليه.

وإذا أردت ما هو صريح في ذلك، ثم هو نادر لطيف ينطوي على معنى دقيق وفائدة جليلة، فانظر إلى بيت البحتري:

قد طلبنا فلم نجد لك في السؤ ... دد والمجد والمكارم مثلا2

المعنى: قد طلبنا لك مثلا، ثم حذف، لأن ذكره في الثاني يدل عليه، ثم إن للمجيء به كذلك من الحسن والمزية والروعة ما لا يخفى3. ولو أنه قال: "قد طلبنا لك في السؤدد والمجد والمكارم مثلا فلم نجده"، لم تر من هذا الحسن الذي تراه شيئا4. وسبب ذلك أن الذي هو الأصل في المدح والغرض بالحقيقة، هو نفي الوجود عن "المثل"، فأما "الطلب"، فكالشيء يذكر ليبنى عليه الغرض ويؤكد به أمره. وإذا كان هذا كذلك، فلو أنه قال: "قد طلبنا لك في السؤدد والمجد والمكارم مثلا فلم نجده"، لكان يكون قد ترك أن يوقع نفي الوجود على صريح لفظ "المثل"، وأوقعه على ضميره. ولن تبلغ الكناية مبلغ التصريح أبدا5.

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE