70
vol. 1 · p. 165
قلت" و "إن أردت دفعت"، قال الله تعالى: {فإن يشأ الله يختم على قلبك} [الشورى: 24]، وقال عز اسمه {من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم} [الأنعام: 39]، ونظاهر ذلك من الآي، ترى الحذف فيها المستمر.
أمثلة ما يعلم أنه ليس فيه لغير الحذف وجه:
ومما يعلم أن ليس فيه لغير الحذف وجه قول طرفة:
وإن شئت لم ترقل، وإن شئت أرقلت ... مخافة ملوي من القد محصد1
وقول حميد:
إن شئت غنتني بأجزاع بيشة ... أو الزرق من تثليث أو بيلملما
مطوقة ورقاء تسجع كلما ... دنا الصيف وانجاب الربيع فأنجما2
وقول البحتري:
إذا شاء غادى صرمة أو غدا على ... عقائل سرب أو تقنص ربربا3
وقوله:
لو شئت عدت بلاد نجد عودة ... فحللت بين عقيقه وزروده4
معلوم أنك لو قلت: "وإن شئت أن لا ترقل لم ترقل"، أو قلت: "إذا شئت أن تغنيني بأجزاع بيشة غنتني"، "إذا شاء أن يغادي صرمة غادي"،
71
vol. 1 · p. 166
و "لو شئت أن تعود بلاد نجد عودة عدتها" أذهب الماء والرونق، وخرجت إلى كلام غث، ولفظ رث.
وأما قول الجوهري:
فلم يبق مني الشوق غير تفكري ... فلو شئت أن أبكي بكيت تفكرا1
فقد نحا به نحو قوله:
ولو شئت أن أبكي دما لبكيته2
فأظهر مفعول "شئت"، ولم يقل: "فلو شئت بكيت تفكرا"، لأجل أن له غرضا لا يتم إلا بذكر المفعول، وذلك أنه لم يرد أن يقول: "ولو شئت أن أبكي تفكرا بكيت كذلك"، ولكنه أراد أن يقول: قد أفناني النحول، فلم يبق مني وفي غير خواطر تجول، حتى لو شئت بكاء فمريت شؤوني3، وعصرت عيني ليسيل منها دمع لم أجده، ولخرج بدل الدمع التفكر4. فالبكاء الذي أراد إيقاع المشيئة عليه مطلق مبهم غير معدى إلى "التفكر" البتة، و "البكاء" الثاني مقيد معدى إلى التفكر. وإذا كان الأمر كذلك، صار الثاني كأنه شيء غير الأول، وجرى مجرى أن تقول: "لو شئت أن تعطي درهما أعطيت درهمين" في أن الثاني لا يصلح أن يكون تفسيرا للأول.