55
vol. 1 · p. 140
دستور في التقديم والتأخير في الاستفهام والخبر:
واعلم أن معك دستورا لك فيه، إن تأملت، غني عن كل سواه1، وهو أنه لا يجوز أن يكون لنظم الكلام وترتيب أجزائه في "الاستفهام" معنى لا يكون له ذلك المعنى في "الخبر". وذاك أن "الاستفهام" استخبار، والاستخبار هو طلب من المخاطب أن يخبرك. فإذا كان كذلك، كان محالا أن يفترق الحال بين تقديم الاسم وتأخيره في "الاستفهام"، فيكون المعنى إذا قلت: "أزيد قام؟ " غيره إذا قلت: "أقام زيد؟ "، ثم لا يكون هذا الافتراق في الخبر، ويكون قولك: "زيد قام" و "قام زيد" سواء، ذاك لأنه يؤدي إلى أن تستعمله أمرا لا سبيل فيه إلى جواب، وأن تستثبته المعنى على وجه ليس عنده عبارة يثبته لك بها على ذلك الوجه.
وجملة الأمر، أن المعنى في إدخالك "حرف الاستفهام" على الجملة من الكلام، وهو أنك تطلبأن يقفك في معنى تلك الجملة ومؤداها على إثبات أو نفي. فإذا قلت: "أزيد منطلق؟ "، فأنت تطلب أن يقول لك: "نعم، هو منطلق" أو يقول: "لا، ما هو منطلق". وإذا كان ذلك كذلك، كان محالا أن تكون الجملة إذا دخلتها همزة الاستفهام استخبارا عن المعنى على وجه، لا تكون هي إذا نزعت منها الهمزة إخبارا به على ذلك الوجه، فاعرفه1.
56
vol. 1 · p. 141
فصل: "هذا كلام في النكرة إذا قدمت على الفعل، أو قدم الفعل عليها"
النكرة وتقديمها على الفعل في الاستفهام:
إذا قلت: "أجاءك رجل؟ "، فأنت تريد أن تسأله هل كان مجيء من واحد من الرجال إليه1، فإن قدمت الاسم فقلت: "أرجل جاءك؟ "، فأنت تسأله عن جنس من جاءه، أرجل هو أم امرأة؟ ويكون هذا منك إذا كنت علمت أنه قد أتاه آت، ولكنك لم تعلم جنس ذلك الآتي، فسبيلك في ذلك سبيلك إذا أردت أن تعرف عين الآتي فقلت: "أزيد جاءك أم عمرو؟ ".
ولا يجوز تقديم الاسم في المسئلة الأولى2، لأن تقديم الاسم يكون إذا كان السؤال عن الفاعل، والسؤال عن الفاعل يكون إما عن عينه أو عن جنسه، ولا ثالث. وإذا كان كذلك، كان محالا أن تقدم الاسم النكرة وأنت لا تريد السؤال عن الجنس، لأنه لا يكون لسؤالك حينئذ متعلق، من حيث لا يبقى بعد الجنس إلا العين. والنكرة لا تدل على عين شيء فيسأل بها عنه.
فإن قلت: "أرجل طويل جاءك أم قصير؟ "، كان السؤال عن أن الجائي كان3، من جنس طوال الرجال أم قصارهم؟ فإن وصفت النكرة بالجملة فقلت: "أرجل كنت عرفته من قبل أعطاك هذا أم رجل لم تعرفه"،