47
vol. 1 · p. 124
ومما هو مثال بين في أن تقديم الاسم يقتضي وجود الفعل قوله:
وما أنا أسقمت جسمي به ... ولا أنا أضرمت في القلب نارا1
المعنى، كما لا يخفي، على أن السقم ثابت موجود، وليس القصد بالنفي إليه، ولكن إلى أن يكون هو الجالب له، ويكون قد جره إلى نفسه.
ومثله في الوضوح قوله:
وما أنا وحدي قلت ذا الشعر كله2
"الشعر" مقول على القطع، والنفي لأن يكون هو وحده القائل له.
وههنا أمران يرتفع معهما الشك في وجوب هذا الفرق، ويصير العلم به كالضرورة.
أحدهما: أنه يصح لك أن تقول: "ما قلت هذا، ولا قاله أحد من الناس"، و "ما ضربت زيدا، ولا ضربه أحد سواي"، ولا يصح ذلك في الوجه الآخر. فلو قلت: "نما أنا قلت هذا، ولا قاله أحد من الناس" و "ما أنا ضربت زيدا، ولا ضربه أحد سواي"، كان خلفا من القول3، وكان من التناقض بمنزلة أن تقول: "لست الضارب زيدا أمس"، فتثبت أنه قد ضرب،
48
vol. 1 · p. 125
ثم يقول من بعده: "وما ضربه أحد من الناس"، و "لست القائل ذلك"، فتثبت أنه قد قيل، ثم تجيء فتقول و "ما قاله أحد من الناس".
والثاني من الأمرين أنك تقول: "ما ضربت إلا زيدا"، فيكون كلاما مستقيما، ولو قلت: "ما أنا ضربت إلا زيدا"، كان لغو من القول، وذلك لأن نقض النفي ب "إلا" يقتضي أن تكون ضربت زيدا وتقديمك ضميرك وإيلاؤه حرف النفي، يقتضي نفي أن تكون ضربته، فهما يتدافعان1.فاعرفه.
تقديم المفعول وتأخيره في النفي:
ويجيء لك هذا الفرق على وجهه في تقديم المفعول وتأخيره.
فإذا قلت: "ما ضربت زيدا"، فقدمت الفعل، كان المعنى أنك قد نفيت أن يكون قد وقع ضرب منك على زيد، ولم تعرض في أمر غيره لنفي ولا إثبات، وتركته مبهما محتملا.
وإذا قلت: "ما زيدا ضربت"، فقدمت المفعول، كان المعنى على أن ضربا وقع منك على إنسان، وظن أن ذلك الإنسان زيد، فنفيت أن يكون إياه.
فلك أن تقول في الوجه الأول: "ما ضربت زيدا ولا أحدا من الناس"، وليس لك [ذلك] في الوجه الثاني2. فلو قلت: "ما زيدا ضربت ولا أحدا من الناس"، كان فاسدا على ما مضى في الفاعل.