النوع السادس والأربعون: في أساليب القرآن وفنونه البليغة
vol. 2 · p. 432
فقيل: فائدته نفي توهم توقف الإباحة على الإدراك والنضج بدلالته على الإباحة من أول إخراج الثمرة
وقوله تعالى: {ومن شر حاسد إذا حسد}
وقوله: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} فإن غير مال اليتيم كذلك لكن إنما خصه بالذكر لأن الطمع فيه أكثر لعجزه وقلة الناصر له بخلاف مال البالغ أو لأن التخصيص بمجموع الحكمين وهما النهي عن قربانه بغير الأحسن
وقوله: {وإذا قلتم فاعدلوا} مع أن الفعل كذلك وقصد به ليعلم وجوب العدل في الفعل من باب أولى كقوله: {فلا تقل لهما أف}
الخامسة: قد يحتمل اللفظ كثيرا من الأسباب السابقة
وله أمثلة منها قوله تعالى: {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد} فإن ابن مالك وغيره من النحويين جعلوه نعتا قصد به مجرد التأكيد
ولقائل أن يقول: إن إلهين مثنى والاثنان للتثنية فما فائدة الصفة؟ وفيه وجوه:
أحدهما: قاله ابن الخباز: إن فائدتها توكيد نهي الإشراك بالله سبحانه وذلك
vol. 2 · p. 433
لأن العبرة في النهي عن اتخاذ الإلهين إنما هو لمحض كونهما اثنين فقط ولو وصف إلهين بغير ذلك من الصفات كقوله لا تتخذوا إلهين عاجزين لأشعر بأن القادرين يجوز أن يتخذا فمعنى التثنية شامل لجميع الصفات فسبحان من دقت حكمته في كل شيء!
ونظير هذا ما قال الأخفش في قوله: {فإن كانتا اثنتين}
الثاني: أن الوحدة تطلق ويراد بها النوعية ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما نحن وبنو عبد المطلب شيء واحد" وتطلق ويراد بها العدد نحو: "إنما زيد رجل واحد" فالتثنية باعتبارها فلو قيل: {لا تتخذوا إلهين} فقط لصح في موضوعه أن يكون نهيا عن اتخاذ جنسين آلهة وجاز أن يتخذ من نوع واحد أعداد آلهة لأنه يطلق عليهم أنهم واحد لاسيما وقد يتخيل أن الجنس الواحد لا تتضاد مطلوباته فيصح فلما قال: {اثنين} بين فيه قبح التعديد للإله وأنه منزه عن العددية وقد أومأ إليه الزمخشري بقوله: ألا ترى أنك لو قلت: إنما هو إله ولم تصفه بواحد لم يحسن وقيل لك إنك نفيت الإلهية لا الوحدانية الثالث: أنه لما كان النهي واقعا على التعدد والاثنينية دون الواحد أتى بلفظ الاثنين لأن قولك: لا تتخذ ثوبين يحتمل النهي عنهما جميعا ويحتمل النهي عن الاقتصار عليهما فإذا قلت: ثوبين اثنين علم المخاطب أنك نهيته عن التعدد والاثنينية دون الواحد وأنك إنما أردت منه الاقتصار على ثوب واحد فتوجه النفي إلى نفس التعدد والعدد