النوع السادس والأربعون: في أساليب القرآن وفنونه البليغة
vol. 2 · p. 426
لا يقع إلا في الأرض قيل في ذكرها تنبيه على أن المحل الذي فيه شأنكم وتصرفكم ومنه مادة حياتكم -وهي سترة أموالكم- جدير ألا يفسد فيه إذا محل الإصلاح لا ينبغي أن يجعل محل الإفساد
وهذا بخلاف قوله تعالى في سورة براءة: {وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير} لأن المراد نفي النصير عنهم في جميع الأرض فلو لم يذكر لاحتمل أن يكون ذلك خاصا ببعضها
وأما قوله تعالى: {ذلك قولهم بأفواههم} وقوله تعالى: {إنما يأكلون في بطونهم نارا} وقوله تعالى: {ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} ونحوها من المقيد -إذ القول لا يكون إلا بالفم والأكل إنما يكون في البطن- ففوائده مختلفة
فقيل: {بأفواههم} للتنبيه على أنه قول لا دليل عليه بل ليس فيه إلا مجرد اللسان أي لا يعضده حجة ولا برهان وإنما هو لفظ فارغ من معنى تحته كالألفاظ المهملة التي هي أجراس ونغم لا تدل على شيء مؤثر لأن القول الدال على معنى قول بالفم ومؤثر في القلب وما لا معنى له مقول بالفم لا غير أو المراد بالقول المذهب أي هو مذهبهم بأفواههم لا بقلوبهم لأنه لا حجة عليه توجب اعتقاده بالقلب
وقيل: إنه رافع لتوهم إرادة حديث النفس كما في قوله تعالى: {ويقولون في أنفسهم}
vol. 2 · p. 427
وقيل: لأن القول يطلق على الاعتقاد فأفاد: {بأفواههم} التنصيص على أنه باللسان دون القلب ولو لم يقيد لم يستفد هذا المعنى ويشهد له: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك} الآية فلم يكذب ألسنتهم بل كذب ما انطوى عن ضمائرهم من خلافه
وإنما قال: {في بطونهم نارا} لأنه يقال: أكل في بطنه إذا أمعن وفي بعض بطنه إذا اقتصر قال:
كلوا في بعض بطنكم تعفوا
فإن زمانكم زمن خميص
فكأنه قيل: يأكلون ما يجر -إذا امتلأت بطونهم- نارا
وإنما قال: {التي في الصدور} فإنه سبحانه لما دعاهم إلى التفكير والتعقل وسماع أخبار من مضى من الأمم وكيف أهلكهم بتكذيبهم رسله ومخالفتهم لهم قال: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها}
قال ابن قتيبة: وهل شيء أبلغ في العظمة والعزة من هذه الآية لأن الله تعالى أراد: أفلم يسيروا في الأرض فينظروا إلى آثار قوم أهلكهم الله بالكفر والعتو فيروا بيوتا خاوية قد سقطت على عروشها وبئرا يشرب أهلها فيها قد عطلت وقصرا بناه ملكه بالشيد خلا من السكن وتداعى بالخراب فيتعظوا بذلك ويخافوا من عقوبة الله مثل الذي نزل بهم!