النوع الخامس والأربعون: في أقسام معنى الكلام
vol. 2 · p. 360
مشروطه تحقيقا كقوله تعالى: {قل إن كان للرحمن ولد} وقوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله} وقوله تعالى: {قل لو كان معه آلهة}
ومنها: أن تأتي على طريق تبيين الحال على وجه يأنس به المخاطب وإظهارا للتناصف في الكلام كقوله تعالى: {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي}
ومنها: تصوير أن المقام لا يصلح إلا بمجرد فرض الشرط كفرض الشيء المستحيل كقوله تعالى: {ولو سمعوا ما استجابوا لكم} والضمير للأصنام ويحتمل منه ما سبق فيه قوله تعالى: {إن كان للرحمن ولد}
ومنها: لقصد التوبيخ والتجهيل في ارتكاب مدلول الشرط وأنه واجب الانتفاء حقيق ألا يكون كقوله تعالى: {أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين} فيمن يكسر "إن" فاستعملت "إن" في مقام الجزم بكونهم "مسرفين" لتصور أن الإسراف ينبغي أن يكون منتفيا فأجراه لذلك مجرى المحتمل المشكوك
ومنها: تنبيه المخاطب وتهييجه كقوله تعالى: {كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون} والمعنى: عبادتكم لله تستلزم شكركم له فإن كنتم ملتزمين عبادته فكلوا من رزقه واشكروه وهذا كثيرا ما يورد في الحجاج والإلزام تقول: "إن كان لقاء الله حقا فاستعد له"
وكذا قوله تعالى: {إن كنتم بآياته مؤمنين}
vol. 2 · p. 361
ومنها: التغليب كقوله تعالى: {إن كنتم في ريب من البعث} وقوله تعالى: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا} فاستعمل "إن" مع تحقق الارتياب منهم لأن الكل لم يكونوا مرتابين فغلب غير المرتابين منهم على المرتابين لأن صدور الارتياب من غير الارتياب مشكوك في كونه فلذلك استعمل "إن" على حد قوله: {إن عدنا في ملتكم}
واعلم أن "إن" لأجل أنها لا تستعمل إلا في المعاني المحتملة كان جوابها معلقا على ما يحتمل أن يكون وألا يكون فيختار فيه أن يكون بلفظ المضارع المحتمل للوقوع وعدمه ليطابق اللفظ والمعنى فإن عدل عن المضارع إلى الماضي لم يعدل إلا لنكتة كقوله تعالى: {إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون} فأتى الجواب مضارعا وهو "يكونوا" وما عطف عليه وهو "يبسطوا" مضارعا أيضا وأنه قد عطف عليه "ودوا" بلفظ الماضي وكان قياسه المضارع لأن المعطوف على الجواب جواب ولكنه لما لم يحتمل ودادتهم لكفرهم من الشك فيها ما يحتمله أنهم إذا ثقفوهم صاروا لهم أعداء وبسطوا أيديهم إليهم بالقتل وألسنتهم بالشتم أتى فيه بلفظ الماضي لأن ودادتهم في ذلك مقطوع بها وكونهم أعداء وباسطي الأيدي والألسن بالسوء مشكوك لاحتمال أن يعرض ما يصدهم عنه فلم يتحقق وقوعه
وأما "إذا" فلما كانت في المعاني المحققة غلب لفظ الماضي معها لكونه أدل على الوقوع باعتبار لفظه في المضارع قال تعالى: {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن