تابع النوع السادس والأربعون
vol. 3 · p. 88
ونظير هذا آية الواقعة وهي قوله سبحانه: {لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون} . وقال سبحانه في الماء: {لو نشاء جعلناه أجاجا} بغير لام، والفرق بينهما من أربعة أوجه:.
أحدها: أن صيرورة الماء ملحا أسهل وأكثر من جعل الحرث حطاما إذ الماء العذب يمر بالأرض السبخة فيصير ملحا فالتوعد به لا يحتاج إلى تأكيد وهذا كما أن الإنسان إذا توعد عبده بالضرب بعصا ونحوه لم يحتج إلى توكيد وإذا توعد بالقتل احتاج إلى تأكيد.
والثاني: إن جعل الحرث حطاما قلب للمادة والصورة وجعل الماء أجاجا قلب للكيفية فقط وهو أسهل وأيسر.
الثالث: أن [لو] لما كانت داخلة على جملتين معلقة ثانيتهما بالأولى تعليق الجزاء [بالشرط] أتى باللام علما على ذلك ثم حذف الثاني للعلم بها لأن الشيء إذا علم [وشهر موقعه وصار مألوفا ومأنوسا به] لم يبال بإسقاطه عن اللفظ [استغناء بمعرفة السامع] ويساوي لشهرته حذفه وإثباته مع ما في حذفه من خفة اللفظ ورشاقته لأن تقدم ذكرها - والمسافة قصيرة - يغني عن ذكرها ثانيا.
الرابع: أن اللام أدخلت في آية المطعوم للدلالة على أنه يقدم على أمر المشروب وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب ذكرها والذي قبله الزمخشري.
ومن ذلك حذف اللام في قوله تعالى: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله.
vol. 3 · p. 89
والرسول} وإثباتها بعد قوله: {فأن لله خمسه وللرسول} الآية. والجواب أنك إذا عطفت على مجرور..
القسم السابع والعشرون: باب الاشتغال.
فإن الشيء إذا أضمر ثم فسر كان أفخم مما إذا لم يتقدم إضمار ألا ترى أنك تجد اهتزازا في نحو قوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره} .
وفي قوله: {قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي} .
وفي قوله: {يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما} .
وفي قوله: {فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة} - لا تجد مثله إذا قلت: وإن استجارك أحد من المشركين فأجره. وقولك: لو تملكون خزائن رحمة ربي. وقولك: {يدخل من يشاء في رحمته وأعد للظالمين عذابا أليما} وقولك: هدى فريقا وأضل فريقا إذ الفعل المفسر في تقدير المذكور مرتين.
وكذا قوله تعالى: {إذا السماء انشقت} ، {إذا السماء انفطرت} ،ونظائره، فهذه فائدة اشتغال الفعل عن المفعول بضميره.