Skip to content

Books to be read, not browsed

تابع النوع السادس والأربعون — البرهان في علوم القرآن

From ⁧البرهان في علوم القرآن⁩ by ⁧أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي⁩ — leaf 1,072 of 1,926.

تابع النوع السادس والأربعون

vol. 3 · p. 65

احتراس من ضعف يوهم أن الهلاك بعمومه ربما شمل من لا يستحق العذاب فلما دعا على الهالكين ووصفهم بالظلم علم استحقاقهم لما نزل بهم وحل بساحتهم مع قوله أولا: {ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون} .

وأعجب احتراس وقع في القرآن قوله تعالى مخاطبا لنبيه عليه السلام: {وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر} الآية.

وقال حكاية عن موسى: {وناديناه من جانب الطور الأيمن} ،فلما نفى سبحانه عن رسوله أن يكون بالمكان الذي قضى لموسى فيه الأمر عرف المكان بالغربي ولم يقل في هذا الموضع [الأيمن] كما قال: {وناديناه من جانب الطور الأيمن} أدبا مع النبي صلى الله عليه وسلم أن ينفى عنه كونه بالجانب الأيمن أو يسلب عنه لفظا مشتقا من اليمن أو مشاركا لمادته ولما أخبر عن موسى عليه السلام ذكر الجانب الأيمن تشريفا لموسى فراعى في المقامين حسن الأدب معهما تعليما للأمة وهو أصل عظيم في الأدب في الخطاب.

وقوله: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} فإنه لو اختصر لترك: [والله يعلم] لأن سياق الآية لتكذيبهم في دعاوى الإخلاص في الشهادة لكن حسن ذكره رفع توهم أن التكذيب للمشهود به في نفس الأمر.

وقوله حاكيا عن يوسف عليه السلام: {وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن} ولم يذكر الجب مع أن النعمة فيه أعظم لوجهين:

vol. 3 · p. 66

أحدهما: لئلا يستحيي إخوته والكريم يغضي ولا سيما في وقت الصفاء.

والثاني: لأن السجن كان باختياره فكان الخروج منه أعظم بخلاف الجب.

وقوله: {تكلم الناس في المهد وكهلا} وإنما ذكر الكهولة مع أنه لا إعجاز فيه لأنه كان في العادة أن من يتكلم في المهد أنه لا يعيش ولا يتمادى به العمر فجعل الاحتراس بقوله: [وكهلا] .

ومنه قوله: {فخر عليهم السقف من فوقهم} ، والسقف لا يكون إلا من فوق لأنه سبحانه رفع الاحتمال الذي يتوهم من أن السقف قد يكون من تحت بالنسبة فإن كثيرا من السقوف يكون أرضا لقوم وسقفا لآخرين فرفع تعالى هذا الاحتمال بشيئين وهما وقوله: [عليهم] ولفظة [خر] لأنها لا تستعمل إلا فيما هبط أو سقط من العلو إلى سفل.

وقيل: إنما أكد ليعلم أنهم كانوا حالين تحته والعرب تقول خر علينا سقف ووقع علينا حائط فجاء بقوله: [من فوقهم] ليخرج هذا الشك الذي في كلامهم فقال: [من فوقهم] أي عليهم وقع وكانوا تحته فهلكوا وما أفتلوا.

وقوله تعالى: {فأتوا حرثكم أنى شئتم} لأنه لما كان يحتمل معنى [كيف] و [أين] احترس بقوله: [حرثكم] لأن الحرث لا يكون إلا حيث تنبت البذور وينبت الزرع وهو المحل المخصوص.

وقوله: {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون} وذلك لأن الاشتراك في المصيبة يخفف منها ويسلي عنها فأعلم سبحانه أنه لا ينفعهم ذلك.

Ed. Muhammad Abu al-Fadl Ibrahim — Dar Ihya' al-Kutub al-'Arabiyya, 'Isa al-Babi al-Halabi and Partners — 1st ed., 1376 AH - 1957 CE