تابع النوع السادس والأربعون
vol. 3 · p. 52
وقد يخرج الكلام مخرج الإخبار عن الأعظم الأكبر للبمالغة وهو مجاز كقوله تعالى: {وجاء ربك والملك صفا صفا} ،فجعل مجيء جلائل آياته مجيئا له سبحانه على المبالغة.
وكقوله سبحانه: {ووجد الله عنده فوفاه حسابه} ، فجعل نقله بالهلكة من دار العمل إلى دار الجزاء وجدانا للمجازي.
ومنه ما جرى مجرى الحقيقة كقوله تعالى: {يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار} ،فإن اقتران هذه ب يكاد صرفها إلى الحقيقة فانقلب من الامتناع إلى الإمكان.
وقد تجيء المبالغة مدمج كقوله تعالى: {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار} ، فإن المبالغة في هذه الآية مدمجة في المقابلة وهي بالنسبة إلى المخاطب لا إلى المخاطب معناه أن علم ذلك متعذر عندكم وإلا فهو بالنسبة إليه سبحانه ليس بمبالغة.
وأما قوله تعالى: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي} الآية، فقيل: سببها أن اليهود جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له: كيف عنفنا بهذا القول: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} ،ونحن قد أوتينا التوراة وفيها كلام الله وأحكامه ونور وهدى! فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: " التوراة قليل من كثير " ونزلت هذه الآية.
vol. 3 · p. 53
وقيل: إنما نزلت: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام} .
قال المفسرون: والغرض من ذلك الإعلام بكثرة كلماته وهي في نفسها غير متناهية وإنما قرب الأمر على أفهام البشر بما يتناهى لأنه غاية ما يعهده البشر من الكثرة.
وقال بعض المحققين: إن ما تضمنت الآية أن كلمات الله تعالى لم تكن لتنفد ولم تقتض الآية أنها تنفد بأكثر من هذه الأقلام والبحور وكما قال الخضر عليه السلام: " ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من ماء البحر حين غمس منقاره فيها ".
وعد بعضهم من هذا القبيل ما جاء من المبالغة في القرآن من الإغضاء عن العيوب والصفح عن الذنوب والتغافل عن الزلات والستر على أهل المروءات كقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} .
وقيل في تفسيره: أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك.
وقوله تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن} الآية.