النوع السادس والأربعون: في أساليب القرآن وفنونه البليغة
vol. 3 · p. 10
وأخر في الأول لأن الكلام أولا في الفعل وثانيا فيمن فعل لأجله الفعل.
واعلم أنه إنما يحسن سؤال الحكمة عن التكرار إذا خرج عن الأصل أما إذا وافق الأصل فلا ولهذا لا يتجه سؤالهم لم كرر "إياك" في قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} .
فقيل إنما كررت للتأكيد كما تقول "بين زبد وبين عمرو مال".
وقيل إنما كررت لارتفاع أن يتوهم إذا حذفت أن مفعول "نستعين" ضمير متصل واقع بعد الفعل فتفوت إذ ذاك الدلالة على المعنى المقصود بتقديم المعمول على عامله.
والتحقيق أن السؤال غير متجه لأن هنا عاملين متغايرين كل منهما يقتضي معمولا فإذا ذكر معمول كل واحد منهما بعده فقد جاء الكلام على أصله والحذف خلاف الأصل فلا وجه للسؤال عن سبب ذكر ما الأصل ذكره ولا حاجة إلى تكلف الجواب عنه وقس بذلك نظائره.
فوائد التكرير.
وله فوائد:.
أحدها: التأكيد، واعلم أن التكرير أبلغ من التأكيد لأنه وقع في تكرار التأسيس وهو أبلغ من التأكيد فإن التأكيد يقرر إرادة معنى الأول وعدم التجوز فلهذا قال الزمخشري في قوله تعالى: {كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون} إن الثانية تأسيس لا تأكيد لأنه جعل الثانية أبلغ في الإنشاء فقال: وفي {ثم} تنبيه على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول.
vol. 3 · p. 11
وكذا قوله: {ما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين} وقوله: {فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر} يحتمل أن يكون منه وأن يكون من المتماثلين.
والحاصل أنه: هل هو إنذار تأكيد أو إنذاران؟ إن قلت":سوف تعلم ثم سوف تعلم "كان أجود منه بغير عطف لتجريه على غالب استعمال التأكيد ولعدم احتماله لتعدد المخبر به.
وأطلق بدر الدين بن مالك في شرح" الخلاصة "أن الجملة التأكيدية قد توصل بعاطف ولم تختص بثم وإن كان ظاهر كلام والده التخصيص وليس كذلك فقد قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله} فإن المأمور فيهما واحد كما قاله النحاس والزمخشري والإمام فخر الدين والشيخ عز الدين ورجحوا ذلك على احتمال أن تكون" التقوى "الأولى مصروفة لشيء غير" التقوى "الثانية مع شأن إرادته.
وقولهم: إنه تأكيد فمرادهم تأكيد المأمور به بتكرير الإنشاء لا أنه تأكيد لفظي ولو كان تأكيدا لفظيا لما فصل بالعطف ولما فصل بينه وبين غيره: {ولتنظر نفس} .
فإن قلت:"اتقوا" الثانية معطوفة على "ولتنظر".